الرئيسية أخبار حتى مساء الأمس لم تحدد الخرطوم موقفاً رسمياً من الأزمة الخليجية المستفحلة.. هل مطلوب منها ذلك؟ “قيمة التأني”

حتى مساء الأمس لم تحدد الخرطوم موقفاً رسمياً من الأزمة الخليجية المستفحلة.. هل مطلوب منها ذلك؟ “قيمة التأني”




صدى كلمات الرئيس عمر البشير لا يزال عالقاً في الأذن وهو يمتدح الدور القطري تجاه بلاده، فقبل قمة الرياض الإسلامية الأمريكية بحضور الرئيس ترامب كان البشير في الدوحة ومنها أطلق تصريحات أكد فيها رغبته حضور القمة التي يجلس في طرفها الآخر الرئيس الأمريكي دونال ترامب. كان ذلك قبل أن تتبدل الأشياء ويحضر مدير مكتبه الفريق طه عثمان بدلاً عن الرئيس. قال البشير وقتها في حوار مع صحيفة (الشرق) القطرية “إن دعم قطر للسودان إبان انفصال الجنوب كان في لحظة فارقة، وأن ودائع قطر في بنك السودان المركزي مكنت الحكومة السودانية من تسيير الدولة عقب انفصال الجنوب”.
لم يقف دور قطر تجاه السودان عند جهودها في ملف دارفور عبر (منبر الدوحة) والذي بحسب البشير أفشل على المتربصين محاولتهم إشعال الإقليم، وذلك عبر جمع الحركات الدارفورية وتوحيدها في منبر الدوحة في حركتين تفاوضتا مع الحكومة حتى جرى الاتفاق، وأن القيادة القطرية استحقت لقب عبد الصبور لصبرها على الحركات حتى تم إبرام الوثيقة.
والآن مع كل تلك المزايا في العلاقة بين السودان وقطر إلا أن الهزة التي ضربت العلاقة بين دول الخليج ستشعر بها الخرطوم على الرغم من اتساع المساحة الجغرافية بين النيل والخليج عبوراً بالبحر الأحمر، والتساؤلات المطروحة الآن تدفع في اتجاه البحث عن موقف الحكومة السودانية مما يجري في الخليج؟ وكيف ستوازن الخرطوم بين علاقاتها الجيدة مع كل من الدوحة والدول الثلاث التي أعلنت مقاطعتها لقطر على رأسهم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية ومملكة البحرين فضلاً عن مصر؟ وهل المطلوب من الحكومة السودانية إعلان موقف قاطع تجاه الأزمة لا يقبل القسمة على اثنين، أم موقف يمكنها عبره إدارة مصالحها المشتركة مع كافة الأطراف؟ في سبيل الحصول على إجابات شافية من الدبلوماسية السودانية فإن المقارنة تقودنا إلى مواقف وجدت فيها الخرطوم نفسها محاصرة في سيناريو مشابه لما يحدث الآن في الخليج، فقبل بدء عاصفة الحزم في اليمن كانت الحكومة تتمتع بعلاقات جيدة مع إيران، وهي علاقات طويلة منذ أن استلمت الإنقاذ السلطة عبر الانقلاب، ومعلوم أن طهران قدمت للخرطوم دعما عسكريا على مدى سنوات الحرب الأهلية التي عانى منها السودان، ولكن في لحظة انقلبت الحكومة على تاريخها وغيرت مفاتيح اللعبة تجاه السعودية التي دعتها للمشاركة في العملية الحربية في اليمن، إلا أن المقاربة تظهر فارقاً بين العلاقة الثلاثية (الخرطوم، طهران والدوحة)، فعلاقة الحكومة مع الأولى كانت هشة وقائمة على التناقض؛ فإيران لم تقدم للخرطوم أي دعم مادي اقتصادي، فقط تكتفي بجعلها سوقاً للسلاح لتحقيق أجندة النظام الإيراني أكثر منه مصالح الحكومة السودانية، ولم يكن أمام الخرطوم خيار وقتها إلا قبول ذلك النوع من التعامل، لأنها كانت أمام ضغوط اقتصادية بسبب الحصار والمقاطعة، وهذا ما أشار إليه البشير في وقت سابق، عندما قال “إن العلاقة مع إيران لم تكن استراتيجية وكانت عادية جدا”، وضرب مثالاً لتأكيد ذلك بقوله “عندما مررنا بأزمة اقتصادية بعد انفصال الجنوب كثير من الدول وقفت إلى جانبنا وساعدتنا، إلا إيران التي لم نتلقَ منها أي مساعدة ولا فلسا واحدا، وكانت كلها وعوداً لم تنفذ منها واحداً، وبالتالي، وفقاً لذلك كان من السهل على الخرطوم التخلص من إيران والانحياز إلى صف الرياض وحلفائها من دول الخليج.
الموقف بشأن قطر الآن بحسب مراقبين يتسم بغاية في التعقيد وستصاب الحكومة بـ(ارتباك)، لأن الدوحة ليست طهران، وريثما تعلن الخرطوم عن موقفها الرسمي، فإن البعض يرى أن عليها التأني والحكمة قبل اتخاذ قرار سيكون له انعكاسات سلبية في كلا الحاليتن، وذلك انطلاقا من علاقة السودان بقطر الاستراتيجية وما تقدمه الدوحة من دعم اقتصادي ومادي وسياسي، بالإضافة إلى أن قطر تملك استثمارات كبيرة في مساحات وأراض شاسعة، وبالتالي، هناك من ينصح السودان باستخدام خاصية الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع الأطراف المتضادة، خاصة وأن الخرطوم لديها تجارب سابقة وماثلة، على سبيل المثال الاحتفاظ بعلاقات مع كل من القاهرة والدوحة في ظل التقاطعات التي تسيطر على أجواء الأخيرتين، فضلاً عن علاقتها في السابق مع طهران والرياض. يقول صلاح الدين الدومة أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية “في علم العلاقات الدولية ممكن جداً لأي دولة أن يكون لديها علاقات متوازنة مع طرفين متصادمين، وذلك بقليل من الذكاء السياسي والدبلوماسي”. ويعتبر صلاح في حديث لـ(اليوم التالي) أمس (الاثنين) أن هذه ميزة طيبة وليست سيئة بالنسبة للدول، منوهاً بأنه في المستقبل القريب والبعيد يمكن لهذه العلاقة أن تستغل لصالح الوساطة بين هذه الأطراف المتصارعة، وتكون نقطة إيجابية لصالح الدولة الثالثة، لجهة أنه عندما تسوء العلاقات بين الطرفين المتضادين تقوم الدولة الثالثة برعاية مصالح أحد الطرفين. وأضاف الدومة “على سبيل المثال أن ترعى الخرطوم مصالح الدوحة في الرياض حال وصل الحال إلى ذلك التردي في العلاقة”، لكن الدومة يؤكد أن ذكره يأتي في إطار الفرضيات النابعة من العلم ذات العلاقة، ويشير إلى أن في اعتقاده الخاص أن نظام الإنقاذ نظام مشتت الذهن ومتوقع منه الفعل ونقيضه في نفس الزمان والمعطيات، إلا أن الدومة يستبعد أن تصل الخرطوم مرحلة قطع علاقاتها مع الدوحة على غرار ما فعلت مع طهران.

اليوم التالي




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.