الخليج العربي ينقسم .. الخرطوم عاصمة “اللاءات الثلاث” تعود لدورها التاريخي




التاريخ يعود بالخرطوم (27) عاماً، وتحديداً للعام 1990م حينما اصطف العرب بين مؤيد ورافض للغزو العراقي على الكويت. وقتذاك اختارت عاصمة عدم الانحياز الشهيرة صف بغداد، ولكن حسابات السياسة والاقتصاد بينت لاحقاً إن المراهنة على صدام حسين مثلت الرهان على الجواد الخاسر.
وها هي عاصمة ملتقى النيلين مجدداً في مفترق طرق، إذْ انقسمت العباءة الخليجية بين المملكة العربية السعودية، وبين قطر، وبدأ التراص حولهما بظهور محاور الـ (مع) والـ (ضد)، في ظل وجود عواصم تخيرت بوعي تام موقف الحياد، بينما تذبذبت أخرى بوجودها في منطقة أعراف فلا هي إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء، وها هي الخرطوم تتبين مواقع خطواتها قبيل إتخذها قرار وأفق الحكمة صدر ليل أمس بتمهل غادرت على إثره محطة الصمت وأعلنت موقف التزم الحياد بل تجاوزه إلى مد اليد لإصلاح ذات “البين” بين الفرقاء الخليجيين، في محاولة للتوسط لإنهاء الأزمة تعيد الخرطوم إلى محطة سابقه عرفت بعاصمة “اللاءات الثلاث” لنزع فتيل الأزمة.

حرب القطيعة:

قطعت السعودية والإمارات والبحرين، علاقاتها الدبلوماسية بدولة قطر، بدعوى مساندتها لجماعات إرهابية في مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما عدّته الخارجية القطرية زعماً لا أساس له من الصحة.
وأغلقت الدول الثلاث أجواءها وحدودها مع قطر، وسحبت سفراءها من الدوحة، وأمهلت الرعايا القطرين مدة (14) يوماً للمغادرة. بدورها تأسفت الدوحة على الإجراءات (غير مبررة القائمة على مزاعم وادعاءات لا أساس لها من الصحة) مؤكدة أن الإجراءات لن تؤثر على سير الحياة الطبيعية للمواطنين والمقيمين.
ونشبت مشكلة كبيرة بين الرياض والدوحة إثر نسبة خبر في موقع وكالة الأنباء الرسمية القطرية (قنا) للأمير تميم بن حمد آل ثان، كان هاجم فيها السعودية بقسوة، مع إشادة بالتقارب مع طهران وتل أبيب.
ومع أن قطر أكدت غير ما مرة إن الخبر عارٍ من الصحة، وقد حدث نشره إثر عملية قرصنة الكترونية على موقع الوكالة، إِلَّا أن وسائل الإعلام اختارت المضي قدماً، فأوصلت الصراع به إلى خط اللارجعة.
هاء السكت:
حتى عصر أمس (الإثنين)، كانت هواتف المسؤولين في وزارة الخارجية السودانية، خارج التغطية، أو صامتة بالكلية، وحتى أولئك الذين عرف عنهم النشاط الإسفيري دخلوا في حالة ركود تام في مجموعات تطبيق المراسلة الفورية (واتساب)، بينما لا يفضي تتابع الضغطات على موقع وكالة أنباء السودان الرسمية (سونا) إلى جديد بشأن المواقف مما يجري بالخليج.

حياد الخرطوم:

وحتى العاشرة والنصف من ليل أمس تدثرت الخرطوم بالصمت ولم تعلق على المقاطعة الخليجية، إلى أن خرجت وزارة الخارجية بعد تأنِ وطول انتظار ببيان دعا فيه السودان إلى تهدئة النفوس والعمل على تجاوز الخلافات وأعلن استعداده للتوسط وبذل كل جهوده ومساعيه مع كافة الأطراف لتهدئة النفوس ووقف التصعيد وإصلاح ذات البين لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي بما يحقق المصالح العليا لشعوب المنطقة.
‎وأعربت الخارجية في بيانها عن بالغ قلقها لهذا التطور المؤسف بين دول عربية شقيقة وصفتها بإنها عزيزة على قلوب السودانيين والأمة العربية جمعاء، وقالت إن السودان وانطلاقاً من دوره الذي تحتمه عليه أواصر الدين والدم والتاريخ المشترك ،واستناداً لمبادئه الراسخة للحفاظ والدفاع عن أمن واستقرار المنطقة العربية عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة ،يدعو إلى تهدئة النفوس والعمل على تجاوز الخلافات بما هو معروف عن القادة الأشقاء من حكمة وحنكة وحرص على مصالح دول وشعوب الأمة العربية.
‎وأعرب السودان عن ثقته التامة في رغبة وقدرة القادة الأشقاء العرب علي تجاوز هذه الأزمة وأعلن عن استعداده الكامل لبذل كل جهوده ومساعيه مع كافة الأشقاء لتهدئة النفوس ووقف التصعيد وإصلاح ذات البين ،بلوغاً لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي بما يحقق المصالح العليا لشعوب المنطقة.

بعد ضراء:

وتشهد علاقات الخرطوم والرياض انتعاشة غير مسبوقة، بعد مشاركة السودان الفاعلة في الحلف العربي الذي تقوده المملكة ضد الحوثيين وعلي صالح في اليمن، حيث تنشط كتيبة من القوات السودانية في خوض غمار المعارك لبسط الشرعية لصالح عبده ربه منصور هادي.
وسبق أن عاشت علاقات السودان والسعودية توتراً مكتوماً جراء مساندة الخرطوم للعراق إبان حرب الخليج، ثم وصلت إلى مرحلة أشبه بالقطيعة بعد اتجاه السودان لبناء حلف قوي مع الملالي في إيران. ولكن بمجرد عودة الخرطوم إلى الحضن العربي، وطردها للبعثة الدبلوماسية الإيرانية، وإغلاق الحسينيات التي تنشر المذهب الشيعي، عادت العلائق مع السعودية لطبيعتها، حتى أن الرياض أسهمت مع “أبوظبي” في العمل على رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على السودان زهاء عقدين من الزمان.
من الرمضاء بالدوح
حين اشتدت الرمضاء تحت أرجل حكومة الخرطوم ذات التوجهات الإسلامية، لم تجد سوى الدوحة لتستظل بها من الهجير الغربي والعربي على حدٍّ سواء.
ولسنوات كان التنسيق على أشده بين البلدين، وحين تمايزت الصفوف جراء ما يجري في غزة، شكلت الدوحة والخرطوم وعواصم أخريات تيار الممانعة، في قبالة تيار المصالحة ذي التوجهات المعتدلة بقيادة الرياض.
ولمّا تقاربت الخرطوم والرياض أخيراً، لم يؤثر ذلك علاقات الخرطوم والدوحة، وبدا أن العاصمة السودانية في طريقها لاجتذاب الاستثمارات السعودية والقطرية على حدٍّ سواء من جراء وقوفها على مسافة واحدة من كلا الطرفين.
وساطة
كانت وسائط إعلامية نقلت في وقتٍ سابق عن وزير الدولة بالخارجية، حامد ممتاز، نية الخرطوم التوسط بين الرياض والدوحة، لنزع فتيل التوتر بينهما.
وينشط مبعوث الرئاسة السودانية، الفريق طه عثمان الحسين، في جولات خليجية قد تكون ذات صلة بموضوع الوساطة.
عن ذلك يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الزعيم الأزهري د. بهاء الدين مكاوي إنه في مقدور السودان لعب دور الوسيط اعتماداً على علاقاته الجيدة مع الطرفين، شريطة استصحاب مجمل المتغيرات الآنية ودراسة موقف كل طرف على حدة.
ويضيف مكاوي، في تصريح لـ(الصيحة)، أنها ليست المره الأولى التي تخوض الدوحة أزمة كالحالية، فقد جرت أحداث مشابهة في العام 2014 ترتب عليها سحب خمسة سفراء لدول خليجية من قطر.
منادياً الخرطوم بضرورة التنسيق المباشر وتكثيف الاتصالات مع دولة الكويت التي تقود هي الأخرى مبادرة وساطة، وإعمال كل قدراتها الدبلوماسية والسياسية لحل أزمة الأشقاء الخليجيين.
ونوه مكاوي إلى أن نجاح الخرطوم في مبادرة الوساطة، سيعود عليها مستقبلاً بحصائد سياسية واقتصادية مميزة.
وينادي عدد كبير من السودانيين، حكومتهم، بعدم الانحياز إلى طرف في الصراع الحالي، يحركهم في ذلك مخاوفهم مما جرى لبلادهم في حرب الخليج.
وتقطن الخليج النفطي جالية سودانية ضخمة، ستتأثر لا محالة بالقرار السياسي المنحاز إلى إحدى العاصمتين الرئيسيين في مجلس التعاون الخليجي.

مساندة الرياض:

يدعو الباحث السياسي، محمد نورين، عاصمة بلاده الخرطوم للمسارعة في الانتظام بسلك الدول المساندة للمملكة العربية السعودية، مؤكداً في حديثه مع (الصيحة) بأن الحياد في المحكات الكبيرة يعتبر في حد ذاته موقفاً قد تترتب عليه خسائر تخصم من رصيد السودان الذي تعاظم كثيراً في الأوساط الخليجية، مشيراً إلى أن تباطؤ الخرطوم في اعلان انحيازها للحلف العربي الذي تقوده الرياض، قد يدفع أطرافاً خارجية لمحاولة ربط السودان مع قطر وثالوث (الإخوان، حماس، طهران).
وقطع نورين بحاجة الخرطوم الماسة في الفترة الحالية إلى مواصلة دعم الرياض وأبوظبي لجهودهما الداعمة لرفع اسم السودان من قوائم الحظر الأمريكية وتابع: مع تقديري لكل مواقف الدوحة السابقات، فإن تطابق الموقف الأمريكي مع الموقف السعودي يحتّم على السودان تأييد السعودية، وذلك حال أراد إزالة اسمه من قوائم الإرهاب الأمريكية، وهو ما ينتظره السودانيون بشغف.

الصيحة