تيرا تيوب
Menu

عمدت الإدارة البريطانية إلى تمتين جدار عازل بين الثقافات في السودان مهد إلى تاريخ من الحواجز “من نحن بلا جدار”
2017-05-15 أخبار




يمثل السودان نموذجاً للتعدد الإثني والثقافي في القارة الأفريقية، لكن الأزمات السياسية الناشئة بفعل هذا التنوع تعتبر الأكثر تعقيداً في الخارطة الأفريقية.
وتحول ذلك التعدد الإثني والثقافي في السودان إلى جدار عازل، وتحول مستقبلاً إلى كارثة، إذ انفصل جنوب السودان، وما زالت مناطق جنوب كردفان، جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، تحارب وفي نفسها شيء من حتى.
وعمدت الإدارة البريطانية إلى تمتين ذلك الجدار بإجراءات إضافية، فقد تم سن قانون المناطق المقفولة عام 1922، والذي منع دخول الشماليين إلى الجنوب دون إذن مسبق.
وأصدرت قرارات لوقف تأثير الثقافة، فقد منع استخدام اللغة العربية، واعتبرت الإنجليزية اللغة الرسمية، بل تقرر محاربة الزي العربي واستبدل بالأفرنجي، وعملت على تشجيع التبشير المسيحي، وإدخال الدين كعامل في الصراع وتعميق الاختلاف.
وطبقاً للباحث والمفكر، حيدر إبراهيم علي، فإن السودان عاش خلال تاريخ طويل عدداً من نماذج الجدران والحواجز، بعضها من صنعه ضد آخر والعكس أيضاً.
وأوضح أن السودان ظل مجرد تعبير جغرافي واسع يطلق على المنطقة التي تقع جنوب مصر والصحراء الكبرى، وتمتد من سواحل البحر الأحمر حتى شواطئ المحيط الأطلسي (بحر الظلمات).
وتتسم قضايا الإثنية بدرجة حساسية عالية عند تناولها؛ إذ عادة ما تعتبر الأطراف المتنازعة، أن أي رأي مخالف لها هو خصم عليها، إلا أن تطورات الوضع في أوروبا نموذج الحداثة والعصرية، تشجع بلدان القارة السمراء على فتح موضوع الإثنيات خاصة بعد انتهاء معارك استقلال القارة.
ويقول الباحث الصومالي، محمد أحمد شيخ علي، رئيس تحرير مجلة (الراصد)، إن قضايا الإثنيات لا تزال موجودة في العالم حتى العالم المتقدم، مثل مسألة كيبك في كندا، والباسك في أسبانيا، والإثنيات في البلقان والاسكتلنديين في المملكة المتحدة، ولكنها برزت بصورة كبيرة في القارة الأفريقية مؤخراً لتأخر نيل الاستقلال وبروز الدولة الوطنية.
وأبرز قضايا الإثنيات في أفريقيا هي في السودان وإثيوبيا والصومال (العشائرية)، وتقل في جنوب أفريقيا لعوامل عدة أهمها اقتصاد جنوب أفريقيا القوى والبنية الأساسية ووجود تشريعات وقوانين ونظم ترعى الحقوق الثقافية، وجنوب أفريقيا التي تحوي أفارقة وبقايا هولنديين وبعض السكان من أصول إنجليزية وملونين وآسيويين هنود.
ويشير حيدر إبراهيم في مقالته الموسومة بــ(معازل الهوية في السودان) والمبذولة على الأسافير، إلى أن عملية التعريب والأسلمة انطلقت، وتبع ذلك بروز إشكالية الهوية المزمنة نتيجة التزاوج والاسترقاق، الذي أعطانا السوداني المستعرب الهجين المهجوس بتحديد هويته: من هو؟ فقد وجد السودان نفسه في هامش الهامش، وعجز عن تقديم نموذج التعدد الثقافي.
وفي ستينيات القرن الماضي تحدث الباحثون والسياسيون عن السودان كأفريقيا المصغرة، أو عن الجسر بين أفريقيا والعرب، أو بوتقة انصهار ثقافات (أفريقية عربية)، ولكن حدث العكس تماماً، فقد انشغل السودان الشمالي النيلي والوسطي، وهو نتاج الهجنة والاستعراب؛ بقضية تحديد هويته وانتمائه للدرجة المرضية، وحاول الإمساك بهوية متخيلة أو مصطنعة، ولكن أعطاها فعالية بوضع الحاجز والجدار المشحون أيديولوجياً، فهو مدفوع بالخوف من السقوط في سديم الهوية المحدد قطعياً، ما يؤدي في المبالغة في تأكيد العروبة لدرجة الإقصاء والشعور بالتفوق والوصول إلى تخوم العنصرية المعلنة أو الضمنية.
ومع تصاعد حركات التحرر الوطني وصعود القوميات، ارتفعت أصوات ترفض تقسيم أفريقيا إلى شمال وجنوب الصحراء، واعتبر هذا التقسيم محاولة من الاستعمار لبذر الشقاق بين شعوب القارة الناهضة، ولكن الأمور في السودان سارت عكس ذلك، حيث صار الجنوب بؤرة للتوتر والنزاع.
فقد مثل خط العرض (10) جنوب الحاجز أو الجدار الوهمي الفاصل بين السودان الشمالي المسلم المستعرب، والسودان الجنوبي المسيحي ومهد العقائد غير السماوية، واللغات غير العربية. وهو في نفس الوقت يمثل جغرافياً ومناخياً الفاصل بين السافنا والاستوائية أو بين الغابة والصحراء.
وهذه لم تعد مجرد فواصل جغرافية بل ثقافية، فقد نشأت مدرسة أدبية أخذت حرفياً اسم (الغابة والصحراء)، حاولت كسر الجدار أو تطويعه للتواصل، وبدأت أسئلة الهوية تتعرض للتشكك والتساؤل والحيرة بدلاً من اليقين والجزم القاطع.
وبحسب حيدر إبراهيم، فإن الجنوبيين دافعوا عن رفضهم للاحتقار والدونية، بخلق صورتهم الخاصة للشمالي، ولم يستسلموا لواقع فرضته ثقافة وسلطة مسيطرتان، ولم يقبلوا بالجدار الذي يفصل بين (العبد والحر).
ولم يظهروا الإعجاب، بل يكتب، فرانسيس دينق، على لسان شاب دينكاوي: “يحتقرنا العرب وندرك ذلك، ونحن أيضاً نحتقرهم، ولكنهم لا يعرفون ذلك”،(كتاب: صراع الرؤى، ص377)، ويسببون احتقارهم للعرب بحقيقة القيم الأخلاقية التي يعتقدون بأنها متأصلة في الجينات والتركيبة الثقافية للهوية.
وكان فصل الجنوب يمثل للبعض أملاً في الاستقرار الذي قد يجلبه التخلص من تناقضات الثقافة، والدين، واللون، وهذا يعني أن تستريح الدولة والمجتمع من إرهاقات بناء الجدران ورعايتها.
وكان الظن هو أن الانفصال يعني أن تكون حدود البلدين هي الجدار النهائي؛ ولكن حتى الآن لم يتم الاتفاق على الحدود المعترف بها من الطرفين.

سودان تربيون




اترك تعليقاً
*