الرئيسية منوعات جيل آخر زمن

جيل آخر زمن




لنتفق عزيزتي الأم أن ما نراهم اليوم من أطفال يفتقدون الكثير من أسس التربية. لا يعني سوى إهمالك لهم.. ليست الأمومة أن تمارسي دورًا حريّ أن تقومي به عند تربية قطة أليفة، وليس حين تقومين بتربية آدميّ سيحسب ذات يوم على بني البشر!

جميل أن تطعميه ولا تتواني في جعله يلتهم الأخضر واليابس، (على ما في ذلك من علّات)، والأجمل أن تطعميه خلقًا وذوقًا؛ يواجه بها الحياة.

رائع اعتناؤك بأن يكون في أبهى حلة، فكيف يكون ابن خالته أبهى منه في طلته، وحاشاه طبعًا أن يكون أدنى مستوى من أقرانه! ولكن ماذا أعددت لحلته الداخلية؟ أطعمته اللامبالاة وعدم الاهتمام. وأن الأمور تحل كما يشاء، لا كما تشائين. ممتاز، وماذا بعد؟ أينهض أمثال هذا بمجتمعنا؟

أيكون منهم ذات يومٍ صلاح دينٍ منتظر؟ أو عمر أو خالد؟

عبثًا تنظرين في كتب التربية، لمَ وأنت الخبيرة القديرة في هذا المجال؟ ذات السبق التي تتباهى أمام الجارات بمعرفة التربية الحديثة،«التي تعني برأيها» تركهم وما يشاؤون فتكون النتيجة أنهم والبهائم واحد للأسف.

صراخ هنا، أم تنتحب هناك؟ طفل يصرخ في وجهها رافضًا أن تكون لها الكلمة عليه، وهو ابن ثلاث سنوات.

تستمر المعاناة تراه أمامها يضيع، بعناده وشراسته وسوء خلقه. فترفع رأسها خيلاءً «أوه، نعم لقد ربيته أحسن تربية، هكذا يربي الأجانب أبناءهم على الحرية، وقول ما شاؤوا»، وتبقى طبعا الصناعة الأجنبية في نظرنا نحن العرب صناعة رائدة، وإن كانت سمًا لوجدنا فيه قمة الرقي والحضارة.

تخبرها لتلك الأم الفاضلة بحرج شديد أن ابنها المصون فعل وفعل من المآسي ما لا ينطلق اللسان بذكره، وتخجل اليد أن تمتد إليه «لوجودها إلى جانبه فقط”»، وهو ابن الخامسة، ولسانه جاوز طوله بمراحل، فتبتسم ابتسامة الفاتحين «أنه حبيب قلبها ومهجة فؤادها»، يتعلم بسرعة وأنه «ماشاء الله عليه، بيكبر وبيعقل».

وتستمر رحلة انتظار اكتمال عقله؛ حتى تندهش بابنها قد صار مفتول العضلات، ليس لأحد عليه من كلمة تمنع أو تردع.

هي التي اعتادت أن تكون طلباته أوامر باتت اليوم تلطم وتندب وتتصل على خبراء التربية في أصقاع الأرض تطلب حلًا سحريًا لمراهق جاوزها في الطول وأنهكها في التربية، وهي ذاتها التي نسيته صغيرًا، وتركت أفلام «الكرتون» تذهب به وتأتي.

تريد الآن مسحوقًا سريًا يردّ إليها ابنها، وهي التي كانت تعطيه هاتفها؛ ليتسلى ويتربى ويصنع على عينه، علّه يسكته قليلًا؛ فتكمل متابعة مسلسلها بهدوء.

تضيع سنوات الاستثمار الحقيقة، في تربيتنا الأجنبية، التي تجعل من أبنائنا صناديق خاوية، لا على عروشها، بل على كل قيمة كان يجب غرسها وقت ذاك.

ينمو الطفل كعجينة، كما تخبرنا أمهاتنا فماذا عسانا نعجن؟ وما عسانا نشكّل من مفاهيم وقيم ستنمو معه ما بقي.

الأطفال أمانة، ومسؤولية ستحاسبين عليها عزيزتي الأم، إما أن تكوني على قدرها، أو تتخلى عنها، فالعالم بات بائسًا بأعداد متزايدة من أطفال، كانت تربيتهم هي «طعام وشراب ولعب»، واقتصر مفهوم تربيتهم على هذا، فعادت هذه التربية وبالًا علينا نحصده اليوم بشبابٍ فارغ ما لأحد عليه من طاقة ولا سلطة.

تلك التي كانت الجنة تحت أقدامها نراها، وللاسف تحت أقدام ابن عاق ٍ لها ترجوه ألا يأخذها لدار المسنين.

وأخرى يتطاول عليها ضربًا وصراخًا، وأخرى تدعو عليه أن يكفيها الله شره. وأخرى وأخرى والقصص لا تنتهي. والموضوع في أساسه كان تربية خاطئة، لو تفاديناها، وبررناهم صغارًا لكانوا لنا سندًا أبدًا ما عشنا.

ننتظر خالد بن الوليد جديدًا، وصلاحًا آخر لديننا. فماذا عسانا نربي ليخرج أمثال أولئك العظماء، ويكونو أفلاذ أكباد لا يرفعون رأس أهليهم، بل رأس أمة ذلّت لسنين طوال
ساسه بوست




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.