الرئيسية منوعات أمريكا والسعودية بين التودد والتردد

أمريكا والسعودية بين التودد والتردد




رغم تعرضها لعديد من الهجمات الإرهابية في الآونة الأخيرة، إلا أن اتهامات عديدة تلاحق المملكة بدعم الإرهاب وتمويله، حتى أصبح الوضع مذبذبًا بالنسبة للإدارة الأمريكية نفسها، فتارة تصفها بالدولة المحاربة، وتارة تصنفها بالداعمة.

أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، كان لها أثر كبير في تبديل وتشكيل صورة العرب لدى الغرب، فقد تجاوزت هذه الصورة من مرحلة التشويه التي كانت سائدة قبل أيلول إلى احتمالات الإقصاء.

في عهد التأسيس للملكة -الملك عبد العزيز- بدأت علاقات التودد عندما سمحت المملكة للولايات المتحدة بأعمال الحفر والتنقيب عن البترول، في مقابل الحماية، وجزء من أرباح النفط. وظلت على تلك الوتيرة حتى وصلت لذروتها بعد فترة الحرب العالمية الثانية، وكانت علاقات ثنائية ومتنوعة ووثيقة رغم ما كانت تعانيه المنطقة من حروب وصراع عربي- إسرائيلي، ظهرت قوة ومتانة العلاقات بدعم السعودية لصدام حسين في حربه ضد إيران ومحاربة نفوذ الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، حتى وصل التعاون ذروته في معركة تحرير الكويت عام 1991، وهو ما يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة بالطبع.

ثم بدأ التردد بالظهور في بداية الألفية الجديدة، وبرزت بشكل واضح بعد أحداث أيلول2001، فإن لم تكن سياسات بوش الأب تجاه الشرق الأوسط ذات ملامح واضحة، وإن كانت تميل إلى العلاقات الجيدة، لكن حين وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في عهد بوش الابن، صاغت تلك التغييرات علاقة جديدة بين أمريكا والشرق الأوسط، وتحديدًا المملكة السعودية وظهرت بداية تلك العلاقة المتوترة بتصريح لمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى وليام بيرنز، قال فيه: «في الشرق الأوسط يعيش أقرب الأصدقاء لنا، ويوجد ثلثا احتياطي النفط العالمي، ومنه جاء إرهابيو الحادي عشر من سبتمبر» في إشارة صريحة إلى المملكة العربية السعودية.

وفي 8 نوفمبر 2002 ألقى بيرنز خطابًا في مجلس الشؤون العالمية في بليتمور قائلًا: «الحقيقة المجردة هي أن الشرق الأوسط الغارق في مستنقع النزاعات الداخلية يشكل تهديدًا للشعب الأمريكي»، ويضيف متحدثًا عن الإصلاح السياسي والاقتصادي في دول الشرق الأوسط: «بالنسبة للولايات المتحدة من مصلحتنا العميقة تشجيع هذه التغييرات الهيكلية طويلة الأجل… تقع معظم هذه التحديات خارج سيطرتنا لكن لا واحدة منها تبقى خارج نطاق نفوذنا».

ثم ظلت العلاقات على تلك الوتيرة حتى تدخلت السعودية لقمع الثورة في اليمن والبحرين، وهو ما أثار حفيظة الولايات المتحدة التي تسعى دائمًا للتغيير في الأنظمة السياسية من أجل تعزيز الديمقراطية في العالم، وفي عام 2015 قامت المملكة العربية بتشكيل تحالف عربي لمحاربة الإرهاب، وأثنى وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري على العمليات العسكرية التي تخوضها السعودية في اليمن.

ويرى بعضهم أن الإدارة الأمريكية تتوافق ضمنيًا بصمتها مع السعودية بسبب رغبتها في تحجيم انتشار داعش ومحاربة تنظيم القاعدة، غير أن هناك أصواتًا معارضة ترتفع بين الفينة والفينة، تجبرها على أن تنتقد الغارات وسقوط مدنيين، كما تجبرها أيضًا على انتهاج سياسة انتقادية للرياض على صعيد حقوق الإنسان، وقد عارضت في العام الماضي إعدام العالم الديني نمر النمر رغم ما كان يشكله من خطر داهم للمملكة -حسب زعمها-.

ثم وصل الوضع لنقطة حرجة بعد إصدار قانون جاستا الأمريكي -وهو قانون قام بإصداره مجلس الكونجرس الأمريكي ويطلق عليه اسم قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب- وهذا القانون يعطي الحق ويسمح لأسر ضحايا حادث أيلول 2001، والذي تم خلاله استهداف مركز التجارة العالمي بالإضافة إلى البنتاجون، بأن يطالبوا محاكمة ليس المتورطين فقط في الحادث الإرهابي، ولكن يكون لهم الحق في المطالبة بمحاكمة حكوماتهم، بمعنى أنه يحق لأسر الضحايا بمحاكمة المملكة العربية السعودية والحصول على تعويضات مالية، ذلك القانون الذي فتح الباب أمام كثير من التكهنات من القطيعة والتوتر بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يرى بعض المحللين أنه من الصعب الحديث عن مرحلة قطيعة بين البلدين، رغم تدني علاقاتهما في السنوات الأخيرة، مع تراجع اعتماد الولايات المتحدة على النفط السعودي، وتنويع المملكة لمصادر التسليح العسكري.

وعلى صعيد التهديد الاقتصادي لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجد؛ لأن سحب الاستثمارات حتمًا سيؤدي إلى اضطراب مالي عالمي لن تكون المملكة بعيدة عن مرمى نيرانه، وستؤثر أيضًا على قوة الريال؛ مما يعني إضافة مشكلة أخرى لاقتصادها المتأثر بانخفاض كبير في أسعار النفط والفاتورة الباهظة لحربها في اليمن ودعمها المادي للواء خليفة حفتر في ليبيا، والدعم المادي السخي للحكومة المصرية، وتسليح المعارضة السورية، ودعم البلدان الإقليمية الحليفة الأخرى.

فهل سبب تلك التبديلات والتقلبات هو المصلحة؟

تلك العلاقة التي كانت رائعة في بدايات تأسيس المملكة كانت متوقفة على العائد المادي الضخم من وراء التنقيب على البترول، واستمرت بدوام المصلحة المادية، ويرجح أن التوتر الذي ظهر بداية الألفية الجديدة فقط بسبب المساس بالأمن والكبرياء الأمريكي في أحداث أيلول 2011.
ويرجع بعضهم الآخر التوتر لانتهاء المصلحة بتفكك الاتحاد السوفييتي، وبعض التفاهمات بين إيران وأمريكا وانتهاء غزو الكويت بطرد العراق من الأراضي الكويتية واحتلال العراق.

السعودية تلوح وتظهر تقاربًا مع روسيا وكندا وبريطانيا وفرنسا التي يتوقع أن تعقد معهم صفقات تسليح تتخطى حاجز ال 15 مليار يورو.

وأمريكا تتفاهم مع إيران بشكل غير مسبوق واتفاق على رفع العقوبات وإقرار قانون جاستا رغم فيتو هزيل من الرئيس الأمريكي.
ساسه بوست




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.