الرئيسية منوعات نساء في زمن العولمة.. المرأة العربية بين مجتمع الثقافة الذكورية و«رفقـًا بالقوارير»

نساء في زمن العولمة.. المرأة العربية بين مجتمع الثقافة الذكورية و«رفقـًا بالقوارير»




من ذا الذي يقول إن الإسلام ينظر إلى المرأة نظرة دونية؟ النبي لم يضرب امرأة طوال حياته، ومن آخر كلام النبي قبل موته أوصيكم بالنساء خيرًا، وقد شبه الحبيب الأب الكريم الرسول «أبي» المرأة بالقوارير أي الزجاج الرقيق المرهف.

أيتها الفتاة، أيتها السيدة، لك قصة مع الرقة، مع الشاعرية، مع جمال القلب مع الحنان، وأشياء أخرى كثيرة، لا يمكن لبعض الرجال فهمها ولو كانوا بأرقى الشهادات العلمية.

ما القوارير؟

ذلك الزجاج الرقيق القابل للكسر بسهولة هي المرأة ذلك المخلوق الاستثنائي شديد الرقة، شديد الجمال، شديد الحساسية، كيان جميل تحتويه معانٍ متناسجة، منسجمة من التعاطف والأمومة والعطاء رقيقة كالزجاج، ولكن إذا أوذي، إذا تحطم فقد يصدر صوتًا وقد يتحطم بصمت؟ كل اختراعات البشرية الحديثة لا تستطيع لملمة ما تكسر ليبقى مدفونـًا في قلب كيان يظل رغم الألم يعطي لأسرته ولمجتمعه عطاءً لا يتوقف.

وما الرفق؟

الرفق هو اللين وعذوبة تعامل الرجل ورقته مع المرأة، هي الرحمة، وما أعظم الرجولة إذا ما غلفتها الرحمة، ساعتها ينتقل الرجل من مرتبة بيولوجية أدنى إلى مرتبة أعلى وأرقى وأسمى من مرتبة الذكورة – إلى مرتبة «الرجل الفارس»، الرجل الحقيقي.

الفجوة الثقافية بين رؤية الثقافة والمجتمع لحقوق المرأة ورؤية الدين الإسلامي لها بين رؤية الإسلام الراقية للمرأة وبين طريقة تعامل المجتمع الذكوري والرجل الشرقي كأب، كزوج، كزميل عمل أحيانـًا للمرأة – فجوة ثقافية – بين ما يجب أن يكون وبين ما هو كائن بالفعل، أي بين نظرة الإسلام للمرأة وتكريمه لها، وبين العادات والتقاليد الثقافية والقيم الاجتماعية السائدة في العديد من المجتمعات التقليدية التي تقلل من شأن المرأة ولا تعطيها أبسط حقوقها، هل يعقل أنه في عصر العولمة والحداثة والثورة المعلوماتية الهائلة تحرم أنثى من أبسط حقوقها، حقها في اختيار شريك الحياة، أو أن تجبر أخرى على الزواج من رجل يأباه كيانها تحت ضغوط نفسية هائلة من الأب والأخ ومن العائلة ؟ هل يجوز إنسانيًا أن تحرم المرأة من أطفالها نكاية فيها، أن تحرم المرأة من حقها في الانفصال عن الزوج إذا عانت منه نفسيًا وبدنيًا تحت ضغوط اجتماعية لا تحتمل، أن تحرم المرأة من حقها في الميراث، وأنا أتكلم عن حق الأنثى في كل ميراثها ولا أتكلم عن قضية للذكر مثل حظ الأنثيين -فالمرأة في بعض المجتمعات التقليدية- يحجب عنها ميراثها العيني «أرض زراعية وممتلكات» وأموال أحيانـًا أخرى، وتحصل بدلًا من ذلك على ما يقال له «رضوة» من أخيها، والرضوة ياسادة عبارة عن بعض الطعام أو ما يقال له في بعض المجتمعات الريفية -زيارة في الأعياد- لجبر خاطرها عند قهرها بأخذ ميراثها كاملًا لذكور العائلة دون الإناث، في مقابل ماذا؟ بعض الطعام كل عيد – وقد تتحمل المرأة هنا قهر أخوة مع سطوة زوج، وتبقى مهانة في منزل زوج تتعرض فيه لمختلف أنماط العنف النفسي واللفظي والبدني ولا تستطيع الرحيل لأنه لا مسكن ولا مورد مادي لديها مع حقها في الميراث.

ناهيك عن السلوك العنيف بدنيًّا ولفظيًّا ونفسيًّا تجاه المرأة زوجة وابنة وكأن رجولة الرجل معناها أن يتجبر ويطغى بقوته البدنية على المرأة بدلًا من أن تحتمي هي فيه.

رؤية لباحثة وقلم كاتبة لا تجلس في برج عاجي، بل أتكلم عن حالات واقعية حدثت بالفعل من خلال دراساتي الميدانية.

وأسمحوا لي أن أكتب بقلم باحثة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية وبقلم كاتبة باستطاعتها أن تصل لأعماق المرأة، وفي استطاعة كلماتي احتواء كل مشاعر المرأة وأحاسيسها، في إمكاني أن أبحر إليها لأصل لأعماقها، لمشاعرها النفسية المرهقة بفعل السياق الاجتماعي الأسري والثقافي الذي تعيش فيه، والذي تسبب لها في كل المعاناة، أعني هنا السياق المرتبط بكل ما هو ذكوري، أعبر عن قضايا المرأة، أعرض لحالات واقعية من دراساتي، من صداقاتي، من أدب الحياة نماذج تجسد ما تمر به بعض السيدات العربيات من العنف النفسي في مجتمعنا الذكوري، سأعرض حالات واقعية لبعض النساء اللائي قهرن على يد رجل، فأنا باحثة -ميدانية- في علم الاجتماع لا أجلس في برج عاجي وأكتب.

– حالات تجسد أنماط العنف البدني والنفسي الذي تتعرض له نماذج من السيدات العربيات في بعض المجتمعات التقليدية العربية.

الحالة: حالة رفض المجتمع الذكوري لحق الفتاة في الاختيار الزواجي تحقيقـًا لمصالح مادية واجتماعية لولي الأمر.

الحالة -1- صانعة السعادة وفي القلب أسى بحجم الكون

هي فتاة في الثلاثينيات من عمرها مدربة تنمية بشرية وذاتية مسؤولة عن رعاية والدها وإخوتها والإنفاق على الأسرة، واسمحوا لي أن أتركها تبثني مكنون قلبها الجميل بنفسها:

قالت لي: تعرفين أن طبيعة عملي تلزمني أن أكون مبتسمة خفيفة الظل، أن أصنع السعادة في دوراتي التدريبية، أنا يا سيدتي صانعة السعادة، إنسانة مثقفة العقل، مرهفة الروح، شديدة الحساسية، شديدة الكبرياء، لا أريد الزواج بالمنطق نفسه والمفهوم نفسه الذي تتزوج به غيري من فتيات، فأنا بانتظار من خلقت من نفسه، من ضلع بجانب قلبه، في انتظار دقات قلبي العنيد، قلبي العصي، في انتظار الفارس الرجل بكل ما تحمله كلمة رجل من معنى ومعان، أنتظر من تستند عليه روحي المرهقة المرهفة ولو طلبها ما ترددت، في انتظار من يملأ عقلي وعيني وقلبي.

وأخيرًا جاء الفارس:

وبفرحة طفولية وفي عينيها الحياة قالت لي: وأخيرًا أتى الفارس الرجل بكل ما تحمله كلمة فارس رجل من معنى، أتى المسؤول عن خفقات قلبي، الفارس كان طيارًا أرملًا توفيت زوجته وهي تضع طفلتها الرضيعة، أتى قائلًا لي: أريدك أن تكونى سيدة قلبي وبيتي، لقد كان رجلًا جادًا يعلم مع من يتحدث، فاتحني في الزواج وجلسنا تحدثنا، تفاهمنا في كل شيء، وقد كان مجرد وجوده في حياتي، في قلبي، وبجانب روحي كل شيء، كان دفئا في أيام شتاء عمري الطويلة، كان عوضًا عن كل شيء، قال لي هل تمانعين أن تعيش ابنتي معك أثناء سفري لعملي؟ قلت له: لا أمانع سيدي، وأنظر إلى عينيها فأراك في غيابك.

المأساة، الظلم الاجتماعي للمجتمع الذكوري:

– وحددت موعدًا له مع أبي وأخي، مع نصيبي من مجتمعنا الذكوري، لم يحضر أخي، لم يسأل عنه وأهانه أبي، رفضه كما يرفض كل من يتقدم لي، وما أوجعني إلا رفض فارسي هذه المرة، ولماذا الرفض؟ كنت أنا المسؤولة عن الإنفاق على الأسرة ورعاية والدي صحيًّا، كان رجلًا أنانيًا، ألا يكفيه ما ضاع من عمري في الإنفاق وفي خدمته؟

وذهب الفارس إلى غير رجعة شاعرًا بإهانة أبي له، فما كان لمثله أن يرفض، ذهب جريحًا، وقد كانت كل الجروح في قلبي أنا، ذهب رافضًا اتصالاتي التليفونية، غبت طويلًا عن عالمي. وكيف لغيابك كل هذا الحضور!

وبعد فترة علمت بزواجه من أخرى، فلملمت كل ملابسي، جهازي، وفستان زفافي وأحرقتهم، ولم أستطع للآن وبعد كل هذه السنوات الطويلة «لملمة شتات نفسي»

وزهدت الحياة

أن أستيقظ كل يوم، فأجدني من الأحياء

زهدت في أمس مضى وفي يوم أتى

وزهدت فيما سيأتي.

قلت لها: ربما تأتي فرصة أخرى لتبدأي من جديد.

قالت: ليس للقلب إلا وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها.
ولس كلمة أخيرة كدكتورة، كباحثة، وقبل كل شيء إنسانة تشعر بجمال أعماق كل امرأة بأحزانها لما فقدت ولا يعوض.

أقول: رفقـًا بالقوارير.

فبعض القوارير إذا تحطمت أصدرت صوتًا خفيفـًا، وبعضها الآخر تتحطم بصمت، وأعوذ بالله من حزن يأكل القلب بصمت.
ساسه بوست




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.