الرئيسية أخبار القصة الكاملة لعودة أقدم مهاجر سوداني إلى وطنه بعد أكثر من نصف قرن

القصة الكاملة لعودة أقدم مهاجر سوداني إلى وطنه بعد أكثر من نصف قرن

6 ثواني قراءة
0
0
6




عودة أقدم مهاجر سوداني – الأسبوع الماضي – إلى وطنه، كانت من أكثر الأحداث الاجتماعية إثارة.. فمنذ أن يمم “السماني عبد الوهاب” وجهه شطر الشمال في شتاء العام 1962م، لم يعد للسودان إلا بعد ثلاثة وخمسين عاماً، قضاها بألمانيا في هجرة متصلة.. لا ندري لماذا.. ولكن خمنا أن في نفسه نزوح يؤرقه.. وفي كيانه يسكن اغتراب يشقيه.. وفي قلبه شوق للمجهول لا يضمحل ولا يذوب.
“السماني” فضّل العيش في الريف الألماني، بالقرب من مدينة (ميونخ)، وكانت الهجرة في ذلك الزمان أمراً غريباً، فما كان من أحد وقتها يستطيع أن يفارق أرض الأهل والميلاد سنين طويلة.. لكن ها هو “السماني”يغيب لأكثر من نصف قرن!!.. ومع ندرة أخباره لم تعد الأجيال الناشئة من أهله تعرفه.. وصارت سيرته تغذي خيال البعض بقصص وحكايات كادت تجعل منه شخصية أسطورية.
(المجهر) بأقلامها وكاميرتها توجهت إلى العائد من منفاه الاختياري.. وقابلته حيث اختار الإقامة هو وزوجته الألمانية “أوشي” في منزلهما الفخم الذي أقاماه بقرية الشيخ الطيّب، التي تبعد نحو أربعين كيلو متراً شمال أم درمان.. وكان هذا الحوار الذي يمتد – في جزءين – محاولاً اكتشاف دهاليز امتدت أكثر من نصف قرن.
{ كيف تم الزواج؟
ـ زواجنا تأخر بسبب رعاية “أوشي” لوالدتها المريضة في (بون)، ولسبب آخر هو أن القانون المدني الألماني لا يجيز زواج الألمانية من أجنبي داخل ألمانيا، لذا أكملنا زواجنا بدولة الدنمارك، إذ سافرنا إلى هناك واستخرجنا وثيقة الزواج، وعدنا بها إلى ألمانيا، حيث تمت إجازتها.
{ ألم تحصل على الجنسية الألمانية طيلة هذه السنوات، لتتزوج وفقاً للقانون الألماني؟
– (قال بتأثر): صدقوني، لم أحاول مجرد محاولة أن أتخلى عن جنسيتي السودانية، أو أن أكتسب أي جنسية أخرى خلال أكثر من نصف قرن قضيتها في ألمانيا، ولا زلت أحتفظ بوثيقة الجنسية السودانية القماشية المهترئة ذات اللون الأخضر، وجواز سفري القديم منتهي الصلاحية، وهما كل ما أحمله من وثائق ثبوتية، وفي عودتي استخدمت وثيقة سفر اضطرارية من سفارتنا بألمانيا، فللوطن عندي ذكرى أنام وأصحو عليها.. مع إحساس عميق بالذنب يجعلنا نجاهد في تبرير بعدنا عن الوطن، مما يسلبنا الراحة والمتعة رغم ما يتوفر لنا من وسائل الراحة.. إنها خيوط ناعمة ومتينة من الوله تشدنا إلى الوطن.. فكيف لي أن أبدل جنسيتي أو أن أكتسب جنسية أخرى!!
{ وكيف وجدت أهلك؟
ـ لن أقول لكم شيئاً عن ذلك، فقط سأستعير ما قاله الراحل الروائي العالمي صديقي “الطيّب صالح” في روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) عندما قال: (عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوربا.. تعلمت الكثير وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى.. المهم أنني عدتُ وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل.. سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائماً بينهم، فرحوا بي وضجوا حولي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأني مقرور طلعت عليه الشمس، ذاك دفء الحياة في العشيرة فقدته زماناً في بلاد تموت من البرد حيتانها).
(شوفوا دي سبعة سنوات عملت شنو.. وأنا لي تلاتة وخمسين سنة)..!
{ هل الراحل “الطيّب صالح” صديقك، أم أنك ألقيت بالكلمة جزافاً كما يفعل البعض؟
ـ كان الراحل “الطيّب صالح” يزور ألمانيا في مناسبات عديدة، وتعرفت عليه في (بون)، وحقيقة أنا الذي سعى لهذا التعارف، لإعجابي بأدبه المسكوب في رواياته التي قرأتها بكل اللغات التي أعرفها، وهو وجه مشرف للسودان. بعدها تكررت لقاءاتنا، بل كنا نحتفي بقدومه بشكل كبير.. ألا يحق لي بعد كل ذلك أن أنعته بصديقي؟!
{ أمرٌ آخر أستأذنك في أن نسألك عنه، وهو يتعلق بك وبزوجتك، فما علمناه أنكما لم تنجبا، ألم تحاولا الإنجاب بالوسائل الطبية الحديثة أو أن تتبنيا ابناً أو ابنة؟
ـ لا حرج في ذلك، وسأجيب،لأن في طيات إجابتي قصة ستعلمون من خلالها مدى عظمة هذه المرأة التي تجلس إلى جانبي، فقد كنت أعلم أنها لم تنجب من زوجها الراحل، ولم نشغل أنفسنا باللجوء للأطباء، لأن هنالك مانع طبي يحرمها من الإنجاب، وكان لدينا الكثير الذي يشغلنا، والمهم عشنا ولا نزال نعيش في سعادة بدون أبناء.
{ والقصة؟
ـ آه.. ذكرتني.. في السبعينيات ارتبطت بعلاقة عاطفية مع فتاة فنلدية، كانت تعمل (سستر) في أحد مستشفيات ميونخ، وبعد أن عرفتني على أسرتها تمت الموافقة على زواجي منها، وسرعان ما أنجبنا مولوداً ذكراً فرحنا به فرحاً طاغياً، أطلقت عليه اسم “زيد” وكم وددت أن يتربى ابني في السودان ليكتسب قيم وأخلاق السودانيين، وليكرس في نفسي دوافعها في العودة للسودان، فقد كان يمكن لـ “زيد” أن يوقف سيل الهجرة الذي يتدفق في دمي، وبعد عامين اقترحت عليها قائلاً: (ما رأيك أن نبعث بـ “زيد” إلى السودان، فنحن – طال الزمان أو قصر – سنذهب للسودان)؟.. فأبدت لي موافقة كاذبة، ويبدو أن هذا الاقتراح أخافها، فلم تمضِ أيام حتى أخذته وهربت به إلى بلادها!! وحاولت بعد ذلك بكافة السبل أن أستعيد ابني، وطلبت من أسرتها مساعدتي في ذلك، ولكني فشلت، وذات مرة قررت السفر إلى فنلندا، فاستقليت القطار، وعند الحدود الفلندية، وبعد إبراز وثائقي للدخول، قالوا لي (إنك محظور من الدخول لهذه الدولة لأنك ترغب في اختطاف طفل)!!.. فعدت أدراجي يائساً. وبعد زواجي من “أوشي” بفترة، سعت هي الأخرى في البحث عن “زيد” متصلة بالمنظمات والجهات القانونية، وهي تقول لي: (ما دمت لا أملك أن أمنحك ابناً فسأبذل جهدي لأعيد لك زيداً، ليعيش بيننا، فابنك هو ابني)، ورغم جهودها إلا أنها فشلت في استعادته، وبعد سنوات طويلة علمت بأن “زيداً” جاء إلى مدينة (بون) فأسرعت إليه في الفندق حيث دلوني عليه، لكن أشواقي لابني – الذي صار شاباً – تبددت بعد اللقاء، إذ قال لي فلذة كبدي: (أنا لا أعرفك، ولم أعش معك، ولا تستطيع أن تعود مني بشيء سوى إقراري بأنك والدي البايولجي)!! فغادرته حزيناً بعد ذلك ولم أحاول الاتصال به.
{ هل تسمح لنا – سيد “السماني” – بتوجيه بعض الأسئلة لحرمكم المصون، وأن تقوم بترجمة أسئلتنا وإجاباتها؟
ـ بكل تأكيد، وهي تعرف بعض الإنجليزية ولكن الألمان متعصبون للغتهم.
{ سيدة “أوشي”، حدثينا عن قناعتك التي قادتك إلى مصاحبتك زوجك في عودته إلى قريته في السودان، وعدم العودة مرة أخرى إلى ألمانيا؟
ـ أولاً اسم “أوشي” أصبح خارج حساباتي، فاسمي الآن هو “مختارة” وأنا امرأة مسلمة تلبس الحجاب، والقرار الذي تتحدثون عنه نشأ لديّ وأنا ألمس رغبة زوجي في العودة لأهله، إذ بدأت أحثه عليه واستعد له، بل إن السفر للسودان أصبح هدفي، وأريد أن أموت في السودان، وأن أدفن وفقاً للتقاليد الإسلامية التي تحترم الموتى، وقررت أن أبني مسجداً بالمنطقة، وأن أساعد كثيراً من المحتاجين، وقد بعت مزرعتي وأملاكي بألمانيا واتخذت مع زوجي هذه القرارات بقناعة كاملة.
{ حدثينا عن اعتناقك الدين الإسلامي؟
ـ أولاً أحب أن أذكر أن “السماني” حبب إلى نفسي الدين الإسلامي، إلا أنني قبل ذلك كنت أمتلك أفكاراً عن الدين الإسلامي، وشقيقتي متزوجة من مسلم إيراني، وقد قرأت عن الإسلام كثيراً، وقرأت القرآن الكريم مترجماً، لذا أعتنقت الإسلام عن يقين، ولا أنسى أوقات الصلاة مطلقاً، وقد حفظت بالعربية ما يعينني من القرآن على أداء شعائري الإسلامية.
{ ما انطباعك عن السودان والسودانيين قبل وبعد وصولك؟
ـ انطباعات جيدة للغاية، فقد لمست في سلوك السودانيين ما لم ألمسه في شعب آخر، والسوداني صاحب مروءة لا تجارى ولا تبارى، وقد شاهدت بأم عيني كيف يساعدون الآخرين، ومن الطبيعي أن ترى سودانياً يحمل حقيبة كبيرة لامرأة مسنة، ويصعد بها إلى الطابق السادس عند تعطل المصعد، دون معرفة سابقة بها وبدون أي مقابل!!.. ومن خلال زيارات بعض أهل “السماني” له في مزرعتنا بألمانيا مؤخراً، كإخوته “عبد الله” و”نور الدائم” وأخته “مديحة” وابن عمه “عبد المجيد محمد سعيد” وابن أخيه “عبد الحفيظ يس” و”أبو الحسن الطيّب” و”الزبير الطيّب”، تكرس في قلبي حبي للسودان والسودانيين، وكم هو شعب ودود ومسالم.
{ ألم تؤثر فيك الحملة الإعلامية ضد الإسلام والسودان؟
ـ نعم إنهم يشوهون سمعة الإسلام في الغرب كثيراً، ويرسمون صوراً مشوهة، ولكن كل ذلك غير حقيقي، فما يحاك ضد الإسلام والسودان من مؤامرات في الغرب هو نتيجة للإعلام السالب الذي يبني رؤيته على تقارير يكتبها أناس غير أكفاء، وأنا أعرف الحقائق، وأعرف أن هنالك تزييف، خاصة ما يدور في دارفور، لذا أنا أعتمد على رؤيتي الخاصة، وأتابع القنوات السودانية والعربية لأقف على كل شيء عن السودان، وما وقر في نفسي أن كل العقلاء يقرون بأن السودان بلد ممتاز، وإلا كنت سأرفض السفر للسودان والإقامة فيه.
{ يبدو أن لك اهتمام بالسياسة؟
ـ نعم، فعندما نشأ حزب الخضر الألماني الغربي، في مدينة (كارلسروي) عام 1980م، بدأ حملته الموسّعة التي استهدفت الإشكالية البيئية وإشكالية الديمقراطية المباشرة وقضايا تحرر النساء، وكذلك موضوع السلام وتأمين حياة اجتماعية آمنة، ولما كنت مهتمة بالبيئة وقضايا تحرر النساء أصبحت عضوة في حزب الخضر.
{ قلت إنك قابلت من قبل السيدة “مديحة” شقيقة زوجك، وبعد حضورك للسودان قابلت أخريات، فما هو انطباعك عن المرأة السودانية؟
ـ نشأ لديّ انطباع جيد عن السودانيات، فهن على قدر من المعرفة والأفكار الجيدة والمتقدمة في أمور كثيرة.
{ نعود إلى قصة زواجك من “السماني”.. استعيدي لنا ذكرياتك في شأن هذا الزواج الناجح؟
ـ لقد قبلت بـ”السماني” زوجاً عن اقتناع كامل، فمعرفتي به كانت قبل زواجنا بعشرين عاماً، أي أنني أعرفه جيداً، وأعرف ما يحمله من قيم وأخلاق، ولكن زواجنا لم يتم بسهولة، فرغم موافقة عائلتي إلا أنني واجهت بعض التعقيدات من المجتمع الذي يستهجن زواج ألمانية من ملون، ولكني لم أكترث، لأن الأمر شخصي ويخصني وحدي، وفي كل يوم بعد ذلك كانوا يتأكدون من أنني اتخذت القرار الصائب، ومن الطرائف أننا عندما توجهنا للدنمارك لإتمام مراسم الزواج نسينا الأوراق الثبوتية الرسمية بميونخ، فانتظرنا وقتاً ليتم إرسالها، ووقتها أصابنا القلق على مزرعتنا وخرافنا وكلبنا.
{ كيف تم استقبالكما في السودان؟
ـ إنه أمر لا يوصف، فالمشاعر المتدفقة والدموع وتجمع أهل “السماني” حوله أثار دهشتي وسعادتي في آن واحد، وقد بلغت دهشتي قمتهما حينما رأيت أن “السماني” بمجرد رؤيته لأهله زالت عنه الآلام التي كان يعانيها في ركبتيه ومعدته.. وحقيقة كان الأمر عجيباً.
{ علمنا أن لك – بجانب التصوير – دراسة جامعية في رعاية وتسمين الضأن، وتهتمين بتربية الماشية، ونشطة في الزراعة، فماذا ستفعلين في قرية كـ(الشيخ الطيّب)؟
ـ أولاً كنت أتابع بدقة بناء منزلنا، وأفصحت عن رغبتي في أن تكون هنالك مساحة كافية فيه للزراعة، فما زلت أحتفظ بنشاطي الذي يسمح لي بمزاولة الزراعة وهوايتي في تربية الضأن. وعندما حضرت وبدأ انسجامي الكبير مع أهل “السماني”، طلبت إحضار أدوات الزراعة وحرث الأرض، فأثرت بذلك دهشة الناس من حولي، وبجانب ذلك أجد في نفسي اهتماماً كبيراً بالبيئة ونظافتها، وعلى كلٍ سأعمل في موطني الجديد إلى أن يتوفاني الله.
المجهر السياسي







علق بواسطة فيسبوك

تعليقات

إترك رداً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

إقرأ أيضاً

أميركا تتجه لإخراج الشرق أوسطيين واللاتينيين من دائرة البيض بالإحصاءات.. موقف العرب قد يفاجئك

أميركا تتجه لإخراج الشرق أوسطيين واللاتينيين من دائرة البيض بالإحصاءات.. موقف العرب قد يفا…