الرئيسية منوعات لماذا خريجو الجامعات عالة على الدولة؟

لماذا خريجو الجامعات عالة على الدولة؟

6 ثواني قراءة
0
0
0
مشاورات سودانية مصرية لعودة جامعة القاهرة فرع الخرطوم النيلين




لفت انتباهي فيديو شاركه عدد من الأصدقاء لمشهد من أحد مسلسلات الثمانينات على ما يبدو، لأستاذ جامعي يتحدث عن أن خريجي الجامعات عالة على الدولة، وأن الحل في المزيد من الأيدي العاملة لا الإداريين، لدولة نامية مثل مصر، مع استشهاد الأحبة الأصدقاء بأن الحال لم يتغيّر من تاريخها.

الشاهد أنه ثمة حقبة تاريخية في التاريخ السحيق، كان يعتمد الاقتصاد على الزراعة بالدرجة الأولى، وعلى كثرة العاملين كعمال بذلك؛ لذلك ربما في الأمم الأكثر تخلفاً، أو بساطة في العيش، يتمنى رب البيت لنفسه أولاداً كثراً يقيمون أمر الزرع والحصاد في الأرض، وتزيد ملكيتهم كأسرة، وكذا كانت الدول واقتصادها، وازداد اهتمام الممالك والسلاطين بتوسعة الرقعة الزراعية.

حتى حضرت التجارة بشكل واضح في الاقتصاد العالمي، وأصبح الأكثر ثراء هو الأكثر تجارة عن طريق “البحر”، ونشأت الحاجة الإنكليزية لاحتلال كل السواحل ما أمكن، وبدأ العصر الاستعماري من بابه، وتمكنت إنجلترا من احتلال سواحل متفرقة في كل حوض المتوسط، وابتعثت الحملات للشواطئ البعيدة بأميركا والصين، ونافسهم أهل أوروبا كلهم من هولندا لفرنسا لإيطاليا، الكل يعي أهمية التجارة، ويبدو أن الدولة العثمانية كانت تأكل بعضها في ذلك الوقت.

رافق ذلك الثورة الصناعية، في 1760-1840، وتغير الخريطة السياسية للكوكب كله، أصبحت “العمالة” وعدد العمال أمراً حاضراً في ذهن كل أفذاذ السلطة والقوة في الأرض، وصولاً لذروة الفكر الاشتراكي كله، وصراعه مع الفكر الرأسمالي، ولكن يظل “العمل اليدوي” هو رأس الحربة في الاقتصاد، الأيدي العاملة، وإن اختلف تعامل كل فكر مع مسألة توزيع الثروة.

ثورة الصين الثقافية تبعتها “القفزة الكبرى” الصينية، القفزة الكبرى تمثل حدثاً فارقاً في تاريخ البشر أيضاً، أسطورة الصين “ماو” كان يظن أن النهوض بدولة الصين النامية يلزمه أن تنتقل من نظام اقتصاد يعتمد على نشاط الأفراد الزراعي (كل مزارع ملك مزرعته) إلى نظام تملك فيه الدولة كل الموارد طلباً لتجهيز الجميع بما يحتاجونه صناعياً من الحديد.. وغيره.

القفزة الكبرى للأمام تلك قتلت 45 مليون شخص في 4 أعوام، ما بين 1958 و1962، ولكن الرجل كان يعي أن عليه أن ينتقل ببلاده من دولة زراعية لدولة صناعية.
للعلم فإن الحرب العالمية الثانية كلها قتلت 55 مليون شخص، وصاحبنا “ماو” قتل من أهله، لتفهم الصين هذا الدرس، أكثر من 45 مليون شخص.

مسيرة الفكر البشري لم تتوقف عند هذا المشهد في الخمسينات، الذي أعيد إنتاجه لإقناع الناس بالتخلف في أفلامنا العربية ومسلسلاتنا، وأن ما تحتاجه الدولة هو “الأيدي العاملة”؛ لأن البشر عرفوا معنى ذلك قبلاً، فأين ذهب الفكر البشري بعد ذلك؟

بداية تذكر أن بلادنا هي أحد البلاد الخاسرة في الحرب، والخاسر يفرض عليه كل شيء، بما في ذلك أين يتدرب قادة جيشه، ولمن ولاؤهم، وما يتم بثه في عقول الناس، لنقُل أيضاً إن الخاسر يفرض عليه ألا تطأ قدم جيشه أرضاً يملكها ويدافع عنها، لا أتحدث هنا عن سيناء كما ذهب عقلك، ولكن عن أرض ألمانيا.

ألمانيا لا تملك جيشاً، أو لنقل على وجه الدقة تملك أقل من 60 ألف جندي حالياً في 2016، يتم استخدامهم بالدرجة الأولى في الدفاع المدني، أو في مهمات أمم متحدة، ولكن أين ذهب 13 مليون عسكري ألماني خدموا في الجيش الألماني؟ أو على وجه الدقة كيف تحول جيش قوامه 6.5 مليون ألماني فاعل إلى 60 ألف جندي لا غير؟!

هزيمة الحرب تعني تقسيم الأرض، وتوزيعها بين الجيران، بعد الحرب العالمية الأولى تم توزيع 65 ألف كيلومتر مربع و7 ملايين ألماني ما بين دول الجوار بحسب معاهدة فيرساي، حتى بعد الحرب الثانية… أيضاً تم قص ريش الجيش الألماني؛ لذلك لا تتعجب بعد “نصر” 1973 كيف تم تقليل قوات الجيش المصري من مليون لبضع مئات من الآلاف تتاجر في الكفتة قبل المكرونة. وأقول الكفتة؛ لأن ما تم تصديره بعد هذا التاريخ لعقول الناس هو “الكفتة” قبل بيع الدولة كلها واقتطاعها لممثلي المنتصرين في الحرب.

“الكفتة” في عقول المزرعة السعيدة “مصر” وغيرها في الوطن العربي، هي المصدر الأساسي للوقوف ساكناً؛ حيث كان الفكر الإنساني كله في الخمسينات؛ لأننا “خسرنا”.

يجب ألا يتغافل جيلنا، أو الذي يليه، عن هذا الأمر كحقيقة تاريخية.

ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، من إنشاء دول، وتحريك المعسكر الاقتصادي لدول أخرى، ما بين وعد ترومان وخطة مارشال وقصة تركيا وألمانيا واليابان على وجه الخصوص يستحق التدارس، ولكن في مقامنا هذا ننتبه إلى أنه جرى أيضاً تطور للنظام العالمي من الاقتصاد الصناعي للاقتصاد الخلاق.

وهو بالضبط الدافع لدول الاتحاد الأوروبي لإقرار فيزا “العاملين المهرة” أو الهجرة الانتقائية لكندا وأستراليا، أو التغني المتواصل بأهمية التنوع والأفكار وحملة الشهادات العليا، ثمة موجة مختلفة من الأفكار تعصف بالعالم (فضلاً راجع مقال: الطبقة الخلاقة).

المدن الأكثر تسامحاً هي أيضاً التربة الخصبة للأفكار والمبدعين، وهي أيضا الأكثر ثراء، والأكثر إصداراً لبراءات الاختراع، ليست مصادفة.

كنت أراقب ابني الذي لم يبلغ عامه الرابع بعد، يقوم بأول تدريب سباحة له، وأفكر أنه ربما يصبح ذلك الولد بطلاً أولمبياً، وأنه ليصبح كذلك، وهو لا يمكنه بعد الغطس، أنه يتعين عليَّ كأب أن أمضي بضعة أعوام تالية أعلمه وأربيه وأصطحبه في كل ثانية فراغ ليصبح أفضل سباح في الكوكب، وفهمت لحظتها أن ذلك حمل ثقيل، وأن كل ما سيحمله ذلك الولد في أعوامه التالية للعالم، أغلبه أنا مصدره.

وعلى ما يبدو، فإن كل ما أحمله أنا من شهادات، وأفكار، مصدره أيضاً والدي، ربما لم أنتبه إلى أن سهر والدتي أياماً طويلة لترجمة بعض كتبي، وتحملها مشقة توصيلي لحمام سباحة لأتعلم، أو دفعها تكاليفه، هو بالضبط ما أتى بي لهذه النقطة في العالم.

وعلى ما يبدو أيضاً فإن كل شخص فيمن حولي وصل لتلك النقطة بذات الطريقة، على ما يبدو أن جيلنا كله وصل لحالة التمرد على “الكفتة” فقط بسبب ما تركه فينا آباؤنا، وأمهاتنا.

صحيح يكاد المرء يصيبه الجنون من بعض القناعات لديهم، ولكن يجب أن يذكر المرء دائماً: كيف وصلنا هنا؟

ما بعد الكفتة، يعني أن على جيلنا مسؤولية تجاوز إرث الكفتة كله، بأبطاله، وبثقافته، وبطبقيته.. يعني أننا نحترم بداية من تركوا فينا ذلك الأثر الجميل بحب العدل في وسط هذه البلاد الظالمة، وبِحُب التغيير وصولاً لبلد “أشرف” من بلادنا.

أظن علينا أن نتحمل عبء ما قذفته ثقافة الكفتة في أجيال سبقتنا، وفي جيلنا، وفي أجيال تالية، ربما جيلنا كله مثلي، يتمنى أن يصبح ابنه بطل العالم الأولمبي، ولكن لا يقوى على تحمل مشقات أحلامه.

يتمنى جيلنا تغيير كل الواقع.. وحاول، وربما لم يوفق للآن؛ لأننا لم نتخلص من إرث الكفتة، ولم نكن نريد ذلك التغيير بالقدر الكافي الذي يغير جيلاً سبق نحترمه ونحبه، وجيلاً آتياً نعلق عليه أن يفعل ما فشلنا إلى الآن في إنجازه.

أحمد عبد الحميد
كاتب مصري واستشاري إدارة أعمال
هافنغتون بوست









علق بواسطة فيسبوك

تعليقات

إترك رداً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

إقرأ أيضاً

البعض لا يشعر بالألم أبداً.. 4 من أندر الأمراض الجسدية في العالم

يطلق اسم “المرض النادر” على الأمراض التي تصيب عينة ضعيفة من البشر، إلا أن العد…