الرئيسية منوعات إذا أردت شيئًا بشدة.. أطلق سراحه

إذا أردت شيئًا بشدة.. أطلق سراحه

6 ثواني قراءة
0
0
0




سارة المغازي جلست وصديقتي نتحدث في أمور شتى، ثم انحرف بنا الحديث إلى نقاش تلك الآية:

«فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ».

عادةً حينما تقرأ قصة فأنت تركز على ترتيب الأحداث، خصوصًا حينما تقرأها أول مرة، لا تفكر كثيرًا لما حدثت؛ بل ما يعنيك هو أن تفهم سياق القصة حتى لو بدت لك غير منطقية، لكن في المرة الثانية تبدأ في السؤال «ما الذي جعل البطل يقول هذا؟»، «كيف تقابل هذا الشخص بذاك؟»، لكنك حينما تقرأها للمرة الثالثة تبدأ في تخيل نفسك وسط الحدث وكأنك البطل فعلًا، لست أتحدث عن تعاطفك مع شعوره اللحظي بالحب أو الحزن، بل كأنك موجود منذ البداية وتتساءل ما الذي أوصل الأحداث إلى هنا؟! في قصة خلق آدم طرحت صديقتي سؤالين أعجباني، وبدا لي فعلًا أنه لو كنت اختبئ وراء الشجرة وأنظر لآدم عليه السلام وهو يكلم إبليس لاستغربت، وطاف هذان السؤالان في بالي، تعال نرسم المشهد بشكل كامل من خلال آيات متفرقة من القرآن.

«وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ». هنا وصف الله عز وجل الجنة أنها مليئة بالشجر والطعام وما طاب من الثمرات، وأنها واسعة مترامية الأطراف كل ما فيها لهم إلا شجرة واحدة.

أما كيفية حياة آدم فيها: «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ،وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ»، وهذا الكلام معناه أنه ليس هناك موت، لأنها لا أبدية «لا تجوع»، «لا تظمأ»، إذًا فالسؤال الأول الغريب هنا، لماذا ظن آدم عليه السلام أنه يريد أن يكون ملكًا أو يكون خالدًا، إذا كان ما حدث في الواقع أن الملائكة سجدت لآدم تكريمًا لجنس البشر عن الملائكة «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ»، وإذا كان قد أخذ الوعد أنه لن يموت، فلم ظن أنه يريد تلك الأشياء؟! هذا أولًا.

السؤال الثاني، لو افترضنا أنها كانت رغبات حقيقية بداخله، وأن الطبيعة البشرية تتمنى من باب الفضول واستكشاف الجديد، لماذا ظن آدم أن طريقة الوصول لمنزلة الملائكة أو الخلود هو الأكل من الشجرة، ما الرابط العقلاني بين التهام فاكهة الشجرة وتحقق أي أمنية، لو تأملت هذين الأمرين ستجد أنها رغبات غير مفهومة، وليس لها دافع غريزي حتى مثل الجوع والعطش والرغبة والتمسك بالحياة وحب الجمال، فالشجرة لم تكن مختلفة ولم يحدثنا ربنا عن جمالها وبريق ألوان الفاكهة فيها، ولا عن نهر فيروزي يرويها، ولا حتى موقع متميز كأن تكون قرب عرش الرحمن، هي مثل كل شجر الجنة لكن عليها لافتة غير مرئية «ممنوع».

لا أحب حينما أفسر الأمر ترديد الحكمة التقليدية «الممنوع مرغوب». نحن نريد أن نفهم لما هو ممنوع، ولماذا رُغب فيه، حينما تتذكر كل الأشياء التي حرمت منها في حياتك، بداية من المزيد من الحلوى والنوم حتى الظهر وركل أختك السخيفة، مرورًا بثمن السجائر ومفارقة أصدقاء الابتدائي والرحيل الفجائي لحبيبة المراهقة، ستجد أنها أكثر الأشياء التي حزنت عليها ومزقت قلبك رغم ما حولك من النعم، لكنها أيضًا أكثر الأشياء التي صنعت منك إنسانًا قويًّا ناضجًا، قادرًا على أن يتحكم في الألف صوت داخله، لا أن يدفعوه هم إلى الهاوية. شعور المنع له تطورات في نفس الإنسان، في البداية تشعر وكأنك تنصهر داخل نار الفقد، هناك شيء لا تستطيع الإمساك به، لا تقدر على لمسه فيصبح الشيء «العادي» هو المسيطر على مداخل الإدراك عندك، وتصبح الدنيا مهما كانت جميلة ملونة بالشمس والأمل والفرص اللانهائية للسعادة، تصبح صورتها رمادية لا طعم لها باختفاء هذا اللون المفقود.

تمر الأيام وتبهت الصورة بطيئًا، وتخمد رغبتك في الشيء، ولكن شعورك بالعجز هو ما يؤلم، تتأمل من حولك فتجد كلًّا منهم عاجزًا عن الوصول لرغبة ما، تكتشف أن النقص ملتصق بالخلق جميعًا، وكأنه جزء من تعريف المخلوق، وأنه لا وجود سوى لقادر واحد يرزق هؤلاء ما يعجزون عنه، هذا المنع الذي تمر به لم يكسر قلبك فعليًّا، بل كسر الغرور بداخله وجعلك تجرب السؤال والذل بين يدي الله، وهو عين تحقيق العبودية. هذا التطهير القلبي الذي يجريه الله عز وجل رغمًا عنا ضروري لصحة الروح وتطور نضجها، كان الشيخ الشعراوي يقول في معنى الدعاء: «قد يجعل الله عز وجل من تأبّى الأسباب وامتناعها عليك مغزى لتلتفت إلى الله، لكن لفتتك لله لا يصح أن تكون بغرض أن يقضي حاجتك، بل اجعل أساس لفتتك لله أن تظهر العجز أمامه والخضوع والخشوع؛ ليعطيك ما لم يكن في بالك حين تدعو».

وإني لأقولها جازمة إنه بعد مضي الزمن ستنسى وسترزق بما هو خير منه، والإنسان لا يعرف ذلك إلا في المستقبل ولا يصبر على المستقبل إلا من يثق بالله، هناك فارق ما بين الوجع والصبر، يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه من الحزن على فراق ولده، لكنه في نفس الوقت قال: «لا تيأسوا من روح الله»، كان حزينًا حزن الشوق ليوسف وليس حزن الشك في رحمة الله، امتناع يوسف عن التربية في بيت أبيه ووسط كراهية إخوته جعلتهم يدخلون عليه، وهو ملك يهابونه ويعملون له ألف حساب، كان المنع لمصلحة الأب والابن، لكن لم يكن ليفهموا ذلك سوى في نهاية الصبر، لذلك قال الله عز وجل عن سورة يوسف «لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ».

كانت صديقتي ترى للمنع حكمة واسعة، أنه يحمينا من أذى بعض، يحمينا من الظلم، كيف ذلك، تخيل طفل اعتاد أبواه أن يستجيبا لرغباته الآنية، كلما أراد شيئًا أخذه لا يردعه أحد، سيكبر فيقتل حينما يريد المال، ويغتصب حينما يشتهي، ولقد رأيت أكثر الأخلاق السيئة في الطبقة المرفهة، وكثيرًا ما مررت على مجالسهم وسمعت أطراف حديثهم فوجدت فيه الكثير من الأذى والشر، لدرجة أني أحيانًا أقوم وأغادر المكان، إما يذكرون أحدًا بأخس القول، أو يتحدثون عن تجربة زواجهم السابع، أو يحكون مصائب إنسانية لا أسمع مثلها في الطبقات العادية، لأنك حينما تتأمل سنة الحياة تجد الأرض التي يفرط صاحبها في ريها بالماء تفسد، كما أنك لا تجد أصلًا بستانيًّا محترفًا يحب أزهاره وينتبه لها، يترك صنبور الماء مفتوحًا طوال الوقت.

كل واحد منا له تجليات عن المنع فهم منه ما فهم، تجاربي في المنع كانت في البداية قاسية وأحدثت ثقوبًا في قلبي، لأني كنت أفسرها بشكل ساذج يرى الحياة من خلال فتحة ضيقة اسمها «أنا»، لقد حدث لي كذا لأني سيئة الحظ، لأنني غبية، لأن لا أحد يحبني، أخذت أدق أعمدة نفسي بفأس التجارب السيئة، وأرى العواميد تقع واحدة بعد الأخرى حتى أصبحت لا أرتكن سوى على العمود الداخلي المتبقي الوحيد وهو الإيمان، رأيت أن الله باقي حتى لو زالت كل الأشياء، وأنه كما خلق ما فاتني فهو قادر على أن يخلق الأحسن منه، والأهم قادر على أن يجعلك تحبه وتفرح به أكثر، وأنه قال: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»، ورأيت أنني حينما أخرج من سجن الرغبة إلى حرية الإرادة في كل مرة أرى الكون بشكل مختلف، يصبح عقلي رائقًا ومليئًا بالحكم المترابطة، وكأن هناك جدار روحي وعقلي قد انهدم بخروجي من هذا السجن، أصبحت أرى البحر أكثر جمالًا، والقمر والنخيل وحتى القطط الضالة كلها تلونت مرة أخرى بألوان جديدة أراها أول مرة، أحيانًا أصبحت أدعو الله ليس في الشيء، بل في الخروج من سجنه، لأنني لا أريد لرغبة أن أكون عبدة لها، لا أريد أن أجرب إحساس الذل للناس أو الانكسار أمامهم لأنهم أقسى من أن يرحموه، وأعجز من أن يجبروه، حينما تقرصني ذكرى ماضية يخالجني الحزن لكنه حزن من نوع غريب أتذوقه أول مرة، حزن غير نادم على شيء، بل بالعكس يتحول تدريجيًّا من بكاء إلى تفاؤل بالمستقبل بموجب ثقتي في الله، لم يعد الحزن يعيث في أنحاء نفسي ويدمر، لم يعد قادرًا على أن يحقن المستقبل البكر بأفكار مظلمة، بمعنى آخر لم يعد عدوي بل صديق حكيم أفهمه، وأتقبل وجوده كالفرحة لأنه يعينني أن أفهم معنى الإنسانية.







علق بواسطة فيسبوك

تعليقات

إترك رداً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

إقرأ أيضاً

حكم سوداني يهدد اللاعبين بـ “مسدس”

أشهر حكم كرة قدم سوداني مسدسا في وجه لاعبي فريق السهم، أثناء مباراتهم ضد مضيفهم الأهلي الق…