الرئيسية منوعات موسيقى السجون: الفنّ الذي ولد من جحيم المعتقلات العربية

موسيقى السجون: الفنّ الذي ولد من جحيم المعتقلات العربية

6 ثواني قراءة
0
0
1




قاسى العديد من المبدعين برودة جدران الزنازين بسبب آرائهم السياسية، فقدموا تجربتهم فناً تغنى به الناس سراً وعلانية، أمثال نجيب سرور وأحمد عفيفي مطر وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام وسيد قطب وغيرهم.

الأغنية الدرامية
عنصر التعذيب داخل المعتقلات كان علامة بارزة في مجموعة من الأعمال الدرامية، وكان لتوظيف الأغنية السياسية درامياً أثرٌ كبير في توصيل الرسالة. فأغنية (محبوس يا طير الحق) للموسيقار عمار الشريعي في فيلم (البريء) الذي أخرجه عاطف الطيب، يقول فيها الأبنودي:
محبوس يا طير الحق/ قفصكْ حديدُه لعينْ
قضبانه لا بتنطق/ ولا تفهم المساجينْ
قضبانه لا بتعرف/ ولا تفهم الإنسان
ولا الحديد ينزف/ لو تنزف الأوطان
ليه العتمة هنا/ وليه النور هناك
حبساني ويا الغِنا/ قضبان على شباك
وقد أعيد توظيف هذه الأغنية في مسلسل (عبدالله النديم).

(أغنية الدم) في فيلم البريء أيضاً كانت بالغة التأثير في ظل الظلام الكئيب وحركة السجانين بصحبة الكلاب البوليسية داخل ساحة السجن للمراقبة، على خلفية لحن جنائزي:
الدم اللي في إيديا/ بالليل ينده عليا/ ويقولي قتلت مين؟
ويقولي: يا إنسان/ تميز السجان/ إزاي من السجين؟.

أما ثالث أغاني الفيلم ذاته، فلم تتحملها الرقابة، حين حذفت من النسخة التي سمح بها للعرض، وكانت كلماتها الثورية تعبر عن قوة الكلمة التي لا يمكن حصارها:
يا قبضي دقي على الجدار/ لحد ليلنا ما يتولد له نهار
يا قبضتي دُقِّي على الحجر/ لحد ما تصحِّي جميع البشر/ لحد ما تتفسّر الأسرار
مش فاهم اللي حاصل/ لكن بقلبي واصل
واللي مش فاهمه عقلي/ بتشرحه السلاسل
يا قلوب بتنزف دم في العتمة/ يا قلوب بتنزف دم وتغنّي
سجنونا قاصدين يسجنوا الكلمة/ والكلمة غَصْبٍ عنَّها وعنّي: طلعت من القضبان ومن الأسوار!.

كانت الأغنية ضمن المشهد الأخير من الفيلم، وقد حذف المشهد برمته بأمر لجنة رقابة شكلها مجلس الوزراء من ثلاثة وزراء سنة 1986: عبد الحليم أبو غزالة (وزير الدفاع) ، وأحمد رشدي (وزير الداخلية) وأحمد هيكل (وزير الثقافة) وكانت حجتهم أن التوقيت لا يتناسب مع عرض هذا المشهد.

الأجهزة الرقابية منعت أيضاً أغنية (السجن) للأبنودي، التي غناها فاروق الفيشاوي في مسلسل (علي الزيبق) سنة 1985، والذي كان يعالج قضية مقاومة السلطة المستبدة.
فيلم “إحنا بتوع الأتوبيس” أيضاً ناقش مشكلة التعذيب داخل المعتقلات، وهو عن قصة حقيقية مأخوذة من كتاب “حوار خلف الأسوار” لجلال الدين الحمامصي. وكان الأداء الغنائي القصير جداً تكنيكاً درامياً ظفه المخرج حسين كمال، مع لقطات مبكية من تعذيب الأبرياء.

الفاجومي والشيخ إمام
ولّدت تجربة السجن التي مرّ بها أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام العديد من الأعمال المشتركة التي انطلقت من المعتقل تتحدث عن الحرية والمقاومة، وظل الناس يتغنون بها حتى يومنا هذا، فكانت أغنية:
كل ما تهل البشاير/ من يناير كلّ عامْ
يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف والظلام
يا نسيم السجن ميَّل/ ع العتب وارمي السلام
زَهَّر النَّوار وعشّش/ في الزنازين الحَمَامْ
من سكون السِّجن صُوتي/ نبض قلبي من تَابوتي
بيقولولِك يا حياتي/ كِلمتي من بطن حُوتي .

سجن القلعة كان واحداً من أبشع المعتقلات السياسية في مصر قبل إغلاقة واستبداله بسجون أخرى أكثر عتمة، ومن شباك السجن الضيق كان الفاجومي يرى كل يوم بعض المناضلين من الشباب والمفكرين وهم يساقون إليه واحداً تلو الآخر، فغنى إمام من كلماته:
اتجمعوا العشاق في سجن القلعة/ اتجمعوا العشاق في باب الخلق
والشمس غنوة من الزنازن طالعة /ومصر غنوة مفرعة في الحلق
اتجمعوا العشاقِ في الزنزانة /مهما يطول السجن.. مهما القهر
مهما يزيد الفُجر بالسجانة / مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر؟!
وغنى الشيخ إمام من كلماته أيضاً باكيا على خيرة شباب مصر الذين كانوا يتوافدون على هذا السجن الكئيب:
أنا رحت القلعة وشفت ياسين/ حوليه العسكر والزنازين
والشوم والبوم وكلاب الروم/ يا خسارة يا أزهار البساتين
عيطي يا بهية ع القوانين.
وغنى الشيخ مهدداً النظام رغم السجن والزنازين، ومبشراً بأن النصر أقرب للمناضلين من عيونهم:
شيد قصورك ع المزارع/ من كدنا وعمل إيدينا
الخمارات جنب المصانع/ والسجن مطرح الجنينة
واطلق كلابك في الشوارع/ واقفل زنازينك علينا
وقلّ نومنا في المضاجع/ أدي احنا نمنا ما اشتهينا

ضريبة العشق
الفنان السوري سميح شقير كشف في أغنيته (ولو يرموك) عن المرارة التي يعانيها المعتقلون، وكيف أن آلام سجناء الرأي ليست سوى ضريبة حب لهذا الوطن:
ولو يرموك بالعتمة لوحدك بين جدرانك
عشب جواك رح يطلع ويزهر غصن وجدانك
معك ظفرك يا ها الأشعار تحفرها عَ حيطانك
وإنت الحر لو بالقيد ومنك خوف سجانك

الإسلاميون يغنون أيضاً
رغم ما يصدّره الإسلاميون كثيراً من ذم الغناء وتحريمه، فإنهم لم يجدوا بديلاً عنه في شدتهم داخل السجون التي كانت مساكنهم في فترات طويلة من الزمن، فكانت أناشيدهم التي يتغنون بها أمام السجانين وأمام القضاة. وقد حازت قصيدة ألفها (سيد قطب) على اهتمامهم، فكانت أشبه بنشيد رسمي يحفظونه جميعاً.
وكانت أبرز المقاطع الحيوية المسجلة لغنائهم أنشودة تغنى بها (محمد النجار) في 13 مايو 1993 من خلف القضبان، أثناء محاكمته ورفاقه باغتيال رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب المصري، وتقول:
غرباء غرباء/ ولغير الله لا نحني الجباه
غرباء/ وارتضيناها شعارا في الحياة …
لا نبالي بالقيود/ بل سنمضي للخلود
وقد حكم على المتهم محمد النجار في ذلك اليوم بالإعدام شنقاً، قبل أن يخفف الحكم بعد النقض إلى خمس عشرة سنة مع الأشغال الشاقة.

العربي الجديد







علق بواسطة فيسبوك

تعليقات

إترك رداً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

إقرأ أيضاً

مواصفات مدهشة: تحذيرٌ من تطبيق “واتس آب” الذهبي.. إحذفوه فورًا!

نشر موقع صحيفة “اندبندنت” البريطانية تقريرًا يفيد بأنه يتم خداع مستخدمي تطبيق …