الرئيسية أخبار قتل أباه بالمسجد بعد أن صور له البنقو أنه وحش كاسر …حكايات “الشمة” و”اللمة” المدمنون.. تراجيديا الضياع والموت (1)

قتل أباه بالمسجد بعد أن صور له البنقو أنه وحش كاسر …حكايات “الشمة” و”اللمة” المدمنون.. تراجيديا الضياع والموت (1)

6 ثواني قراءة
0
0
0




في كواليس المدمنين عوالم مخيفة وقصص وحكايات مثيرة.. استغراب وشفقة.. ألم وحزن لا يفارقان المتحدث.. دهشة وحيرة لا تفارقان السامع… تفاصيل كثيرة تدعو للتوقف.. مخاطر صحية واجتماعية وأمنية.. نحن لا نبحث – حين خضنا في تفاصيل هذه القصص – عن الإثارة والسبق الصحفي.. بل عن العبرة الحقيقية التي نسوقها للقارئ، الذي لم يجرب بعد هذا السم القاتل، عله يبتعد عنه، ومن أجل تبصرة المدمنين، وأيضاً من أجل إيقاف نزيف الموت والتدمير.. من أجل مجتمع أكثر تماسكاً وصحة.. ننشر هنا قصصاً سمعناها من أصحابها دون زيادة أو نقصان.. ننشر تجارب المدمنين مع الموت.. خاصة أن بعضهم في ريعان الشباب.. وبعضهم تجاوز العقد الرابع من العمر.. ومنهم من كان يملك أحلاماً وآمالاً، ولكنها تبخرت حين تناول الجرعة الأولى من السم القاتل.

خطوة في الظلام

بدأت حكاية (س. ن) الطالب الجامعي بالكلية النظرية المعروفة حسب رواية طبيبه المعالج د. علي بلدو استشاري علاج الإدمان بدأت في إحدى صباحات ديسمبر والصبح ينبلج بعد ليل طويل حيث ذهب الضحية في طريقه الى الجامعة في ذلك الصباح الشتوي الجميل ومر على مجموعة من الأصدقاء وهم يشربون شاي الصباح في إحدى المحطات غرب المنزل بأم درمان القديمة وقد دعوه ليشاركهم احتساء الشاي بـ”اللقيمات” وهذا ما قد كان وبعدها دعوه للذهاب معهم الى أحد الميادين بغرض التداول والنقاش في بعض الموضوعات بحسب زعمهم .

الأنفاس الأولى

وعند اكتمال تلك الحلقة قام احدهم بإخراج لفافة قام بإشعالها وتمريرها على الجالسين الذين كانوا يستنشقون دخانها بشغف وعنفوان قبل أن يواصلوا تمريرها للآخرين وعندما جاء الدور لمحدثنا تساءل في براءة “دا شنو” قبل أن تجيبه ضحكات وعبارات استهزاء من رفقائه وهم يقولون “يعني ما عرفتها” وخوفاً من هذه السخرية قام بتدخين جزء منها إلا أنه لم يفق منها إلا وهو داخل المنزل، وتقف عند رأسه السيدة والدته وهي تتساءل بنوع من اللهفة انت شربت شنو؟!!

وتتواصل مأساة (س.ن) بقوله إنه في اليوم التالي بعد تعافيه من تلك الأنفاس علم أن ما تناوله لم يكن سوى البنقو وأنه شعر بنوع من الزهو والراحة والسعادة جعلته يكرر التجربة لدرجة أنه أصبح من يقوم بتمويل رفاقه لشراء تلك المادة المخدرة قبل أن يصاب بنوبات تشنجية وحالة من الغثيان أدت الى نقله للعلاج الذي لايزال يواصله إلى الآن.

الحنين إلى الماضي

بعيون امتد فيها الحزن مسافات شاسعة نحو الماضي أخذ فريد المدمن السابق الذي شفي من إدمانه يسرد حكايته التي بدأها بالعودة إلى الأيام التي كان يعمل فيها بوظيفة مرموقة، حصل عليها من خلال تميزه وجهده في العمل، حيث كان يبلغ من العمر 20 عاماً في تلك الفترة لينطلق إلى هوايته لعب الكرة وعرف بتميزه ومهارته ومن هناك كانت قصة وقوعه في الإدمان، فقبل إحدى المباريات شعر بتعب شديد الأمر الذي دفع أحد زملائه إلى أن يقدم له حبوباً وصفها بالمنشطة حتى يستطيع أن يؤدي المباراة بشكل جيد، فتناولها من دون أن يعرف أنها حبوب مخدرة وتلك كانت بداية الدخول إلى عالم الإدمان، الذي اكتشف أنه دخله بعد أن شعر بأن جسده بدأ يحتاجه؛ فسعى إلى الحصول عليه حتى اعتاد على تعاطيه، حاول فريد أن ينتزع الشفاء من الإدمان بدخوله عدة مراكز لعلاج الإدمان، إلا أن تلك المحاولات فشلت، حيث كان يفتقر إلى العزيمة والقناعة بترك تلك السموم، وفي كل مرة يعود أسوأ من وضعه الذي كان عليه؛ فالمخدرات كانت رفيقة جيبه، ولا يمكن أن يتخلى عنها حتى توسعت دائرة بحثه عن المخدرات من دائرة الأصدقاء إلى خارج ذلك النطاق خاصة أن مبالغها المالية كانت في البداية مبالغ بسيطة، وبعد التعود أصبحت تزداد قيمتها، فأصبح لا يستطيع أن يوفر المال ليشتريها، فتدهورت أوضاعه، وترك العمل الذي كانت جهة عمله تسعى لدفعه للشفاء، ولكن دون جدوى، وأخذ يبحث عن سبيل للحصول على المال، فأخذ ينتزع المال من أسرته التي كان يعولها حتى قرر أن يدخل عالم الترويج، ليحصل على المخدرات.

وتستمر الحكاية

واستمرت حياته في التدهور وقد تخللتها محاولات غير جادة للشفاء، لكنه في كل مرة يدخل مركزاً للعلاج يجد هناك من يروج للمخدرات بشكل أكبر مما عرفه؛ فيدخل ذلك العالم من جديد ولكنه بشكل أوسع حتى تحول فريد بذلك لإنسان يعيش ليتعاطى، ويتعاطى ليعيش، لأكثر من خمس عشرة سنة؛ حاول كثيراً أن يخفي ذلك الظلام الذي يعيشه، وانغماسه في تعاطي المخدرات من الهيروين والبنقو عن أسرته، التي كانت تتكون من والدته وشقيقاته، إلى أنه افتضح أمره لاسيما بعد أن ترك العمل.

العقل يصحو

يتوقف فريد وهو يسرد لي حكايته المملوءة بالظلام، يصمت، ثم يرنو برأسه إلى الأرض للحظات، قبل أن يترك لبصره أن يتجول في المكان بتخبط وألم، ثم يطلق زفرته ويواصل حديثه عن أكثر موقف تسبب له بألم نفسي لا يستطيع حتى هذه اللحظة تجاوزه؛ وربما كانت بدايته في الصحوة ليسرد لحظة غيابه عن المنزل ليومين بسبب انغماسه في جو المخدرات، حتى لحظة عودته إلى بيته ليجد والدته برفقة شقيقاته يجلسن على صينية الطعام في صمت مطبق، وحزن شديد، وما أن شاهدوه حتى تعالى البكاء والمرارة تتحشرج بداخل حلوقهن، فيما والدته كانت تطلق دموعها تنسرب على خديها في حسرة على ابنها الذي كان رب الأسرة، وكيف وصل حاله، من دون أن تنظر إليه، وذلك كان الموقف الصعب الذي بدأ فيه فريد يتنبه إلى أن هناك خطأ كبيرًا لديه، حيث كان مسؤولاً عن تلك الأسرة ووجد نفسه تسبب في حزنها وفجيعتها، وتمضي الأيام ليجيء اليوم الذي يقرر فيه أن ينطلق إلى العمرة مع مجموعة من الشباب لتنفتح له الأبواب المغلقة لدى “الكعبة المشرفة” ويستجيب الله لدعوة والدته، فيقرر الالتحاق بمركز الإدريسي للعلاج من هذه السموم التي حولت حياته إلى جحيم.

بشوف في شخصك أحلامي

يسحب خالد المقعد المجاور لفريد ليجلس باتزان شديد وابتسامة رضا ويباغتني بقوله أنا قصتي تختلف عن فريد، نعم تختلف كثيراً، ثم تختفي تلك الابتسامة لتنسدل عليها خيوط الماضي الذي خيل إلي بأنه ما زال يحمله بين يديه ويستطعمه في فمه، يحوم حوله كحقيقة لا يستطيع أن يهرب منها.. ثم يبدأ بسرد حكاية دخوله في طريق الإدمان عاش خالد في بيت جده مع باقي أسرته، وبرفقة شقيقه الأكبر في حياة لم يكن يرفض له طلب، أو ترد له أمنية، لكنه كان يحب شقيقه الكبير الذي كان في مرحلة العشرين في ذلك الوقت، وكان خالد يراه المثل العظيم.. يحب فيه شخصيته وطريقة تعاطيه مع أسرته، ويراه كما لو كان العلامة البارزة لشخصية الرجل؛ لكن خالد كان ابن 13 سنة في تلك الفترة، وكان يحلم بأن يكبر يوما ليشابه شقيقه، بدأ في تقليد ومراقبة جميع سلوكيات شقيقه حتى اكتشف يوماً بأنه يتناول مادة لم يكن يعرف ما هي، فحصل على تلك المادة خفية وانطلق يسأل أصدقاءه في الحي عن اسمها؟ وفيم تستخدم حتى اكتشف يوما أنه البنقو وأن شقيقه مدمن، فأصبح يتباهى بالبنقو وبأنه يتناوله كالكبار أمام أصدقائه، من دون أن يتعاطاه حقيقة؛ حتى كبرت اللعبة لديه وأراد أن يقلد أخاه في التعاطي لتلك المادة المخدرة، فلجأ إلى أصدقاء شقيقه حتى يعلموه كيف يستخدمها؛ ومن هنا دخل خالد عالم كبار المدمنين القذر من دون أن يدري مخاطر الطريق.

قدوة فاسدة

وبعد أن علم أخوه الأكبر أن خالد الصغير يتعاطى البنقو والمخدرات من أصدقائه، فما كان منه سوى أن أخذ خالد وقال له إذا كنت تريد أن تتعاطى فأنا أولى بك، تتعاطى معي أفضل من أن تتعاطى مع غيري بارك الأخ القدوة دخول خالد طريق المخدرات ودخل معه عالمه المرعب، حتى أصبح في تلك الفترة أصغر مدمن دخل إلى مراكز علاج الإدمان؛ لكنه في كل مرة يخرج فيجد شقيقه ينتظر أن يدخله إلى عالمه المشوه، فيعود من جديد للإدمان، ثم يدخل للعلاج من جديد، مع دخول متكرر لـ«السجن»، ثم يعود من جديد للإدمان، واستمر في ذلك التخبط «24» سنة، عانت خلالها أسرته من حالات الإدمان التي أفسدت حياته حتى قررت الأسرة أن تبعده عن عالم الإدمان وعالم شقيقه، فرتبت له دراسة خارج الوطن، كنوع من الحل وسافر ليكمل تعليمه في لندن التي مكث فيها إحدى عشرة سنة أكمل خلالها تعليمه الجامعي تخصص إدارة أعمال، وحصل على دورات في الطيران، وعلى الرغم من تخلصه من إدمان المخدرات؛ إلا أنه كان يتعاطى شراب الكحول، في الخارج فعاد إلى أرض الوطن ليجد شقيقه مازال ينتظره في المنزل فمكث أربعة أشهر بعد العودة من السفر، ثم دخل مع شقيقه في تعاطي الهيروين، وأعاده من جديد لعالم الإدمان، بعد أن علقت الأسرة آمالاً كبيرة عليه، وأخذت تفتخر بعودته حاملاً شهاداته العلمية، التي قام والده بتعليقها في المنزل افتخاراً بالابن المتفوق الناجح إلا أن تلك السعادة لم تكتمل بعد أن اكتشفوا أن خالد الشاب المتعلم في الخارج والمتفوق عاد للإدمان من جديد، فتحطمت أسرته وطرد والده من المنزل، وبكت والدته بكاء شديداً، لترفع يديها تدعو الله أن يخلصها من الكوارث التي يسببها لهم خالد.

لحظة انكسار

ولأن التغيير لا يجيء إلا من انصهار جليد الظلال، جاء ذلك الانصهار نتيجة موقفين شعر خالد بأنه انكسر من خلالهما؛ الأول حينما وجد نفسه يوضع كشاهد على زواج ابنة عمه التي كان يرغب بالزواج منها، وبسبب إدمانه زوجت لرجل آخر، والموقف الثاني حينما خرج مع والدته ليلة العيد لتشتري ثياب العيد الجديدة وقد كان في حالة إدمان وحينما جاء صباح العيد دخل على والدته في غرفتها فوجدها ترخي رأسها المملوء بالهموم على إحدى يديها وتبكي وحينما سألها لماذا لم ترتد الثياب الجديدة وتخرجين للعيد قالت والألم يعصر قلبها كيف أعيد وأنت في هذه الحالة يا ابني، فشعر بتحول كبير بداخله وبأنه سبب الكثير من الوجع لأسرته، وفقد جميع الأشياء التي يحبها؛ فقرر أن يكون جاداً في طلب العلاج، ليخوض العلاج بإصرار لمدة سبع سنوات حصلت فيها بعض الانتكاسات، ولكنه تعافى.

ضحية جديدة

سادت الدهشة والذهول والخوف سائر أرجاء مدينة ودمدني في منتصف الثمانينات التي عاشت تفاصيل المأساة، وهي حادثة القتل الشنيعة التي ارتكبت في الصف الأول من المسجد وأمام محرابه. فبينما كان الجميع يستمعون إلى خطيب المسجد بعد أن بدأ الخطبة في أحد المساجد، دخل شاب إلى المجلس وتقدم الصفوف ليجلس بجوار والده الذي كان يجلس في الصف الأول من المسجد وأمام محرابه حيث اعتاد أن يذهب إلى الصلاة باكرًا كان الوضع لدى المصلين يعتبر عاديًا، فلا ضير أن يجلس ابن بجانب والده في المسجد، خاصة وأن الأب كبير في السن والابن في سن الشباب، فلعله يريد أن يساعده بعد الانتهاء من الصلاة ويقوده إلى منزله، لكن المفاجأة التي هزت كل من حضر أو سمع، أن يقتل ابنٌ أباه في بيت الله، كانت المفاجأة أن أخرج الابن سكينة من جيبه محتضنًا أباه وكأنه يودعه الوداع الأخير، موغلاً السكين في ظهر أبيه، بثلاث طعنات نافذات، أودت بحياته في الحال، وأنهت تفاصيل أكبر عقوق بعدها حاول الابن المجرم العاق الجاني الهروب من المسجد، لكن أحد المصلين تصدى له وأمسك به وقام بتسليمه إلى الشرطة، وبعد التحقيق وُجد أن الجاني مدمن مخدرات، وقد سبق أن فُصَلَ من عمله بسبب ذلك، فيا لها من فاجعة كبيرة، ويا لها من حسرة عظيمة.







علق بواسطة فيسبوك

تعليقات

إترك رداً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

إقرأ أيضاً

أميركا تتجه لإخراج الشرق أوسطيين واللاتينيين من دائرة البيض بالإحصاءات.. موقف العرب قد يفاجئك

أميركا تتجه لإخراج الشرق أوسطيين واللاتينيين من دائرة البيض بالإحصاءات.. موقف العرب قد يفا…