تيرا تيوب
Menu

اكتشافات “قرآنية في غير مكتشف”
2015-08-01 ديني




سعدت كثيراً بهذا المقال الذي خطه يراع الباحث الكبير د. عبد الوهاب الأفندي وأحببت أن تشاركوني قراءته قرائي الكرام، فقد زأر الرجل انتصارًا لدينه ووددت لو كان عنوان المقال (قتل الخراصون).. فإلى مقال الأفندي.

في كانون الثاني/ يناير من عام 1999، نشرت مجلة «أتلانتيك مونثلي» الأمريكية مقالاً مطولاً بعنوان «ما هو القرآن»، هللت فيه لما وصفته بأنه اكتشاف لا سابقة له عن نسخ قديمة من القرآن عثر عليها في العاصمة اليمنية صنعاء، قالت إنها ستغير نظرتنا إلى القرآن، وتثبت أن «تاريخاً»، وأنه لم يشهد «تطوراً» بخلاف ما يعتقد المسلمون.

المشكلة هي أن «الاكتشاف» المشار إليه وقع، بحسب المجلة، في عام 1972 حين عثر عمال بناء على كوم من وثائق في علية مسجد كان يجري ترميمه. واتضح فيما بعد أن هذه كانت صفحات قديمة من نسخ لمصاحف تالفة، تم التخلص منها بهذه الطريقة تورعاً من إتلافها أو حرقها. وقالت المجلة إن جهات ألمانية استجابت لطلب من هيئة الآثار اليمنية التي أعادت اكتشاف تلك المجموعة من الوثائق في عام 1979 وأرسلت بعثة لمعالجتها وتصويرها وحفظها، ثم أجرت دراسات عليها في مطلع الثمانينات كشفت أن بعضها يعود إلى القرنين الأول والثاني الهجري، وأن هناك تنويعات في الخط والترتيب قد تكشف أن المصحف لم يكن دائماً بالترتيب الذي هو عليه اليوم.

في كانون الثاني/يناير من عام 2008، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» مقالاً مطولاً آخر عن نسخ مصورة على الميكروفيلم من مصاحف قديمة زعم أنها دمرت في قصف بريطاني على الأكاديمية البافارية للعلوم في ميونيخ عام 1944، ولكن أحدهم احتفظ بها سراً في منزله، ثم كشف عنها لإحدى تلميذاته السابقات في مطلع التسعينات. قامت تلك السيدة بدورها بدراستها وزعمت حولها مزاعم تشبه المزاعم حول الموجودات اليمنية.

الفترة بين المقالين نظمت حملات «أكاديمية» وإعلامية مكثفة، تمثلت في مؤتمرات ومشاريع بحثية جيدة التمويل بغرض إيجاد ثغرة يتم النفاذ منها لنسف أو زعزعة الحقيقة العلمية المتفق عليها في أن القرآن الكريم سجل بكامله خلال السنوات القليلة التي تلت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتم تداوله بشكله هذا منذ ذلك العهد، مما يزيل أي شك بأنه النص الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم بدون زيادة أو نقصان. وعليه سواء أكنت ممن يؤمن بأن محمداً مرسل من ربه أو كنت تعتقد بأنه افترى القرآن على الله، فلم يكن هناك جدال علمي حول صحة نسبة القرآن إلى محمد.

الهدف النهائي لمثل هذه الحملات هو إزالة الاختلاف الجذري بين القرآن والكتب السماوية الأخرى، خاصة الإنجيل الذي تم تأليفه بعد قرن من رحيل المسيح عن الدنيا، وفي أكثر من نسخة بينها باختلافات كبيرة. والمؤمل حينها أن يتعرض القرآن لما تعرضت له الأناجيل من نقد «تاريخي» أدى إلى التشكيك في صحتها، بل حتى في تاريخية شخص المسيح نفسه. ولكن مثل هذا النقد لتاريخية القرآن لم يكن متاحاً، نسبة لصلابة الحجج العلمية التي تسند تاريخية القرآن ودقته.

لم يمنع هذا مجموعة صغيرة من المستشرقين على رأسهم باتريشيا كرون من جامعة برنستون (رحلت عن عالمنا في وقت سابق هذا الشهر) من المحاولة الدؤوبة. وفي عام 2012، قدم توم هولاند، أحد ممثلي هذه المجموعة، برنامجاً وثائقياً على تلفزيون القناة الرابعة في بريطانيا كرر فيه مقولة أن معظم تاريخ الإسلام منتحل، وأن الديانة الإسلامية لم تنشأ في مكة في القرن الأول الهجري، وإنما بعد قرنين من الزمان في شمال الجزيرة العربية على يد طائفة يهودية. وإن الرسول محمد لم يوجد بالفعل.

عندما أعلنت جامعة بيرمنغهام في وقت سابق من هذا الشهر العثور في خزائنها على نسخ قديمة من مخطوطات قرآنية قالت إن تاريخها يعود إلى السنوات الأولى من التاريخ الإسلامي، أعاد هذا «الاكتشاف» طرح التساؤلات القديمة حول إمكانية تجاوز الفهم الموروث للقرآن المتداول، وإن كان بدرجة أقل، لأن هذه المخطوطات لم تأت بجديد يخالف المتداول من النص القرآني.

غني عن القول إن كل هذه المحاولات باءت بفشل ذريع. فما زلنا ننتظر نتائج «الكشف» الموعود من قرآن صنعاء أو ميكروفيلم ميونيخ، رغم مرور عقود على هذه المساعي العبثية لإثبات ما لا يمكن إثباته. وفي حقيقة الأمر، إن مجرد تعليق الآمال على «اكتشافات» أثرية أو حفريات تلغي بجرة قلم كل موروث العلم الديني الإسلامي لصالح «كشف» يأتي على يد «عالم» غربي يثبت أن الأمة الإسلامية كلها كانت على خطأ في فهم تاريخها وتراثها هو أقرب إلى الوهم والتخريص منه إلى منهج علمي. ذلك أن الأجيال الأولى من علماء الإسلام اتبعت ابتداء أدق الأساليب العلمية المتاحة وقتها في تمحيص الروايات. وقد تم ذلك في تدوين وحفظ القرآن بالاعتماد على النسخ المكتوبة معضدة بالشهادات الحية المتواترة. فكيف يكون المنهج العلمي إلغاء كل هذه الشهادات والوثائق المتواترة والبناء على شهادات متناثرة، شرطها الوحيد أن تكون من خارج الفضاء الإسلامي-العربي؟

إن المعجزة القرآنية متعددة الجوانب، ولكن أقوى جوانب المعجزة هو أن الكتاب يصدق بعضه بعضاً، كما يصدقه الواقع، كما في حالة الآية: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». وأيضاً في قوله تعالى: «إن علينا جمعه وقرآنه». فهو جل وعلا لم يكلف حتى رسوله الكريم جمع القرآن وحفظه، بل تعهد بذلك بنفسه تعالى علواً كبيراً. وها هو القرآن محفوظ هذه الأيام، ليس فقط في المصاحف المكتوبة والوسائط الالكترونية، بل في صدور الملايين من المسلمين حول هذه الكوكب، مع أن غالبهم لا يحسن اللغة العربية التي نزل بها. ولو هلك البشر جميعاً لبقي القرآن محفوظاً كما تعهد جبار السموات والأرض، ولو لم يجتهد الخلفاء وعلماء الصحابة في جمعه وتدوينه لتم الوفاء بالتعهد الإلهي بوسيلة أخرى يعلمها الخلاق العليم.

ليس أقل إعجازاً التعهد الإلهي بإبقاء الرسول الكريم على قيد الحياة حتى يكتمل نزول القرآن: «وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلاً». وقد كان، فقد بقي صلى الله عليه وسلم حياً رغم تعدد محاولات قتله، حتى نزلت: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي.» وصدق الله العظيم، وقتل الخراصون، الذين هم في غمرة ساهون.

د. عبدالوهاب الأفندي/ صحيفة الصيحة




علق بواسطة فيسبوك

تعليقات

Comments are closed
*