Home منوعات قصة قصيرة: “زينوبة” ليست صاحبة الاشعار الرومانسية و إنما بائعة الشاي في السوق العربي

قصة قصيرة: “زينوبة” ليست صاحبة الاشعار الرومانسية و إنما بائعة الشاي في السوق العربي

4 second read
التعليقات على قصة قصيرة: “زينوبة” ليست صاحبة الاشعار الرومانسية و إنما بائعة الشاي في السوق العربي مغلقة
0
2




رمت زينب حاجياتها والكيس الذي تحمله بركن الغرفة الوحيدة بالمنزل، وتبعته بإخراج زفرة عميقة قبل جلوسها على العنقريب المهترئي الذي يضم أجساد أطفالها الثلاثة، وقبل أن تستقر للحظات قصيرة اتجهت بعيدًا، إلى أقصى فناء منزلها الجالوص لتغسل وجهها وجسمها من عناء يوم طويل، وهجير حار قضته تبيع الشاي بالسوق الشعبي للزبائن.
نادت على جارتها سعدية تسألها عن الأخبار وأحوال الحلة، وعشاء الأطفال الثلاثة، خاصة الصغير منهم، فقد تركتهم كالعادة لجارتها سعدية التي تقوم بمساعدتها في رعاية أطفالها في غيابها طوال النهار.
قالت زينب:
ـ أها يا سعدية، ما وريتيني أخبار الليلة شنو؟ ما في جديد يعني! عشيتي الأولاد بشنو؟.
وقبل أن تكمل سؤالها جاوبتها سعدية:
ـ يعني حيتعشو بشنو يا أختي زينب؟!
انتي ما عارفة الحالة واقفة الأيام دي، وكمان الراجل قاعد ساي بدون أي شغل، والله أخير ليك راجلك الزايغ من الجهجهة دي.
ـ كلو هين إن شاء الله بكري اتعشى؟!
ـ والله غايتو بعد عذبني بالسؤال والاستفسار أكل ونام،
نظرت زينب إلى أطفالها النائمين بعطف، وألقت نظرة حانية على طفلها الأصغر بكري، وطافت بها ذكريات أيامها السابقة، قبل أن تسكن في هذا البيت الكئيب البعيد.
وزفرت زفرة عميقة، وقبَّلته برقة, مؤْثرةً أن لا يصحو من نومه، بينما ودعتها سعدية بقولها:
ـ تصبحي على خير يا زينوبة..
ذهبت وتركتها وحدها تحاول أن تفكر في حل مشاكلها التي أصبحت تؤرق مضجعها، فصاحب المنزل، أو هذا المأوى العشوائي البعيد سرعان ما يأتي ويطالبها بقيمة الإيجار الشهرية وليس لديها ما تعطيه مقابل ذلك، هو، طلب منها أن تعطيه أشياءً أخرى مقابل الإيجار بعد عجزها عن دفع المبلغ الشهر الماضي ولاحظت مضايقاته، فكيف تقابله هذا الشهر وليس لديها إيجار شهر واحد؟!، وزوجها عديم المسئولية ذاك، سبب كل هذه المتاعب التي تعيشها اليوم، فمنذ أن تزوجت به، وهو غير مبال ولا يسأل عنها ولا عن أولاده، يغيب شهورًا فيتذكرها مرة ثم يأتي في إحدى الأمسيات غير المعروفة ويفتعل مشكلة جديدة مطالبًا إياها بالمزيد من المال لحل مشاكله التي لا تعرف لها شيئًا، فيذهب ولا يهمه كيف يعيش أطفاله، أو كيف تسير أحوال هذه الأسرة الصغيرة.
وفي السوق تبدو الحياة أكثر هدوءًا واستقرارًا، برنامج حلو، جلسات، نقاش، ضحك وفرفشة كما تقول صديقتها علوية، فالعلاقة المتميزة بين بائعات الشاي ومجموعة المهمشين أحلى بكثير من حياتها بالحي، وتعامل الجيران معها، فبعض الأسر التي تجاورها تتعامل معها بتعالٍ كبير. ولولا وجود جارتها سعدية لتركت الحي كله ورحلت إلى منطقة أخرى.
تقول زينب وهي تقلب الجمر وتحرك الشاي فوقه بعدم تركيز:
ـ والله يا علوية، لوما أنتن معاي في السوق ده، كان خليتو زمان، وتتبعها قائلة من أعماقها، الله يخليكن لي بس غايتو،
رغم ذلك فإن السوق كان لا يخلو من المضايقات، والمعاكسات المزعجة، فالشباب والعمال، وبعض الطلاب الذين تعودوا على زيارة محل زينب وشرب الشاي والقهوة، كانوا دائما يغزونها بنظراتهم ويغازلونها بالسر والعلن، وهي قد تتضايق ولكنها في غالب الأحيان تحاول مسايرتهم بالقفشات والضحكات المصنوعة، للمحافظة على الزبائن كما تقول صديقتها علوية،وتناجيها وتنصحها عند غضبها وتضجرها قائلة لها :
يجب أن تتعاملي معهم بلطف حتى تحافظي على أكبر عدد منهم، طيبتك وجمالك ده غايتو جايب ليك الزبائن الا ما بتعرفي تحافظي عليهم.
ومنصور الشاب الذي ورث عمارة بخمسة طوابق، ورثها عن والده الذي توفي مخلفًا ميراثه لابنه الوحيد، كما ترك له مجموعة من المحلات التجارية التي يقدر عائدها شهريًا بالاف الجنيهات، لم يجد شيئًا سوى جلوسه يوميًا أمامها ومغازلتها ومعاكستها ، راجيًا أن تنساق يومًا خلف رجاءاته ونداءاته، متمنيًا استجابتها ورضوخها وانهيارها أمام عطاياه وماله الكثير، حتى أصبحت ترسل طلبات القهوة والشاي له وهي جالسة بمكانها مع أحد الصبية خوفًا من غزلياته ومعاكساته المتكررة.
فيقول دون خجل منه:
ـ زينوية، عليك الله واحد قهوة مظبوط، شنو فاتحه لينا كده؟!، مشتاقين،، فترجع وفي نفسها أن تخذله أمام الجميع وتوبخه فتتذكر وصية صديقتها علوية.. وتسكت ..
دارت كل هذه الخواطر المريرة بخيالها قبل أن يهاجمها النوم لتبدأ غدًا نفس المشوار المهلك،
وفي الصباح، ذهبت كالعادة، مبكرة للعمل، وعقلها ما زال مشغولًا بجمع مبلغ الإيجار، وملابس المدارس للأطفال، فالمدارس ستفتح أبوابها مطلع الأسبوع القادم، وسداد الدين لصاحب الدكان الذي انتظرها طوال الشهر الماضي ولم تفِ بوعدها له، ركبت البص المتهالك المتحرك نحو السوق، راسمًا مأساتها على الإسفلت الشاحب كشحوب غدها الميئوس منه، قالت للكمساري:
ـ لوسمحت، قبل محطة السوق،
واختارت مقعدًا يجاور النافذة لتترك لعقلها فرصة السرحان والارتياح قليلًا، في ظل همومها التي غطت على كل شيء جميل لاح في مسار حياتها، كالعادة، كانت الرحلة تضج بمواضيع، ومناقشات عن الرياضة والانتخابات، والأمم المتحدة، وتردي الغناء، ولكنها لم تلفت انتباهها أوتشغل عقلها فقد كان تفكيرها يمشي بعيدًا، بعيدًا،
لم تنتبه من رحلة توهانها تلك إلا والكمساري ينادي عليها معلنًا وصول البص إلى محطته الأخيرة ونزول الركاب،
استعجلت نازلة، وشاكرة له، وأعطته الأجرة المتعارف عليها، وما زال عقلها مشحون بالأفكار والهواجس، والهموم، إيجار، دكان، ديون، لبن الأطفال، مدارس، وأخذت تحسب بأصابعها وتجمع مطلوبات اليوم ومصاريف الشهر، وتهمس لنفسها من أين لي؟!.
نسيت أنها قد دخلت وتوسطت شارع الأسفلت السريع لتصل الجانب الآخر حيث صديقاتها وحاجياتها وموقعها المعروف، نسيت ذلك، وعقلها مشغول تمامًا عن هذا الواقع فهي بمنتصف الشارع، لم تسمع كل صيحات المارة، ولا صفارات الإنذار، ولا أبواق السيارات، لمنعها من مواصلة المشي والسرحان وعدم قطع الشارع السريع.
كل المارة وضعوا أياديهم فوق روؤسهم وأغمضوا عيونهم، لأن سائق الشاحنة القادمة بسرعة تجاهها كان هو وحده من يحدد مصيرها في اللحظة التي تلت ذلك،،،
…………………..
.. انقطع التيار الكهربائي، وأظلمت الدنيا بالمنزل الذي يسكنه مجموعة الطلاب الريفيين ولم يستطع عبد الغفار أن يمنع نفسه من الصياح بغضب، وانفعال:
ـ كرهتونا يا ناس الهيئة، فقد كان يتابع الفيلم باستغراق ولهفة..

صحيفة الوان




علق بواسطة فيسبوك

تعليقات

Comments are closed.

Check Also

7 عبارات تخدعين بها نفسك!

أحيانًا تصبح أفكارك عن نفسك معتقدات تسيّر حياتك، وأفكارك هذه قد تكون شيئًا إيجابيًا، كالاع…